فضاءات

التفرّد و الخصوصية المجتمعية ذريعة التخلف

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

مثلما في علم النفس ما يسمى بالتمركز حول الذات ” ” Egocentrism وهو المعنى المتعارف عليه للأنانية، وهي صفة تجعل الفرد منشغلاً بنفسه فقط ومنكبًا على عالمه الخاص الداخلي تحت ذرائع عدة. فإن هناك في علم الأنثروبولوجيا وفي الأثنوجرافيا تحديد شيء مشابه يسمى التمحور حول الذات للمجتمعات   “centrism ”  وهو نوع من الانكفاء نحو الداخل والانشغال المطلق بالذات المجتمعية واحاطتها بعشرات الاساطير والأكاذيب التي تبرر هذا الانشغال.

ولذلك فإن أول مرتكز تتكئ عليه المجتمعات المغلقة هو التمحور حول ذاتها من خلال أكذوبة التفرد والخصوصية المجتمعية والثقافية والدينية.

في حين أن هذه الخصوصية مجرد قالب متخيّل توجده المجتمعات المغلقة وتزرعه في نفوس أفرادها وفي ثقافتهم ليكون خط دفاع أول لها يحميها كما تتصور من الآخر المختلف عنها والذي تؤمن في قرارة نفسها بأنه أفضل منها. هو قالب هش ومصطنع وغير حقيقي. تعتمد عليه الأثنيات الضعيفة والقليلة العدد التي تجاورها مجتمعات كبيرة ذات ثقافة طاغية لحماية ثقافتها ووجودها.

في الوطن العربي نتعامل كمجتمعات وبنسب متفاوتة أمام العالم الخارجي بعقلية هذه الأثنيات وبنفس القوالب الهشة التي تصنعها للدفاع عن نفسها تحت ذرائع الخصوصية الدينية أو السمو العرقي وخلافه من الصيغ التي تصنعها عادة المجتمعات البدائية منذ بداية تشكلها عبر التاريخ. فكل مجتمع عربي يؤمن وبطريقته الخاصة بأنه متفرد عن غيره ويتداول ألف اسطورة وكذبة تاريخية تعزز تفرده عن العالم وعن جيرانه العرب المحيطين به، ثم يدور كما الثور مربوطاً في ساقية شعوره الوهمي بهذا التميز والتفرّد.

هذا المجتمع العربي المغلق والمنكسر من الداخل يجترّ قيمه المهترئة وبشكل مستمر.. الإشكالية برأيي ليست هنا فقط، بقدر ما هي إضفاء غطاء علمي وديني لترسيخ هذا الاجترار ومنحه مظاهر مخادعة تضمن تكريسه لعقود قادمة لن نستطيع تجاوزها إلا من خلال نزع قداسة الخصوصية وإدراك أنها قوالب ضعف ووهن نخفي خلفها انكسارنا ومشاعرنا العميقة بالعجز أمام الحاضر والخوف من المستقبل.

رأي تركي رويّع 

t.alruwaili@saudiopinion.org

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

‫2 تعليقات

  1. أحسنت كاتبي الكريم ..
    مقالك جانب الصواب وربما هو الصواب بعينة
    مؤسف أننا نجد الأن وليس الغد أن بيننا من يطبل ويغني ويروج
    اعبارة لنا خصوصية اللتي تعد خطيرة كما مادة TNT المتفجرة
    وفي النحو تعد كذبة آبريل محلية يروجها المحبطون جيل من بعد جيل
    ماذا فعلوا بالمجتمع هؤلاء القريبين من ( مسيلمة الكذاب ) سابقاً ولاحقاً ..
    وقت يرددون لنا خصوصية كل ماوضعت خارطة طريق للمجتمع ..
    مع التطور وخلق فرص نجاح وعمل وتمكين العاطلين بشق طريقهم نحو غداً أفضل !
    حتى مع الترفيه والسياحة وعمل المرآة في التجارة وسوق الفرص ..
    نجد الأخونجية أول المنضرين لكذبة ( لنا خصوصية )
    ويبدا معول الشكوك والإحباط والتعطيل يرفع صوت التذمر وخلق الفتن ..
    وقت يرددون ( حي على الفشل والتطرف والاقصائية ؟! )
    الحمد لله بلدنا بفضل الله بدء رؤية 2030 والطموح بعيد المدى لنصل لقمة السماء ؟
    ولو كره المتطرفون واخوانهم من المدمنيين على عبارة لنا خصوصية ؟
    تحياتي لك ولقلمك المميز وللقارى الكريم

  2. كل التقدير لرؤيتك الواعبة أخي بدر.
    بلا شك أن أي حركة تغيّر مجتمعي ستواجه بالكثير من الرفض من قبل البعض لأسباب ودوافع مختلفة.
    واضفاء صيغ الخصوصية على المجتمع هي أحدى الطرق التي يستخدمها الفريق الرافض للتغير من خلال هذا التكريس النفسي والفكري بالمجال الأول.
    وهذا عادة لا يوقف التقدم نحو التغيير ولا يثنيه، هو يطيل فترة التغيير ومراحل الصراع فيه، لكنه لا يوقفه بالمطلق.

    تركي رويّع

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى