أجراس

النفعية وتدهور صحة الثقافة

لطالما ارتبط مصطلح مثقف بمفاهيم كالفردانية، القيم، الأخلاق، الوعي. فالسير في هذه المسارات هو نمو طبيعي للفرد الذي يمكن أن يطلق عليه مثقف يحمل مسؤولية قوله وقناعته على عاتقه، إنما تحويل نظره إلى المسار النفعي فهذه إصابة في مقتل الثقافة.

كيف يبدو العرض وقد أصبح كل الأبطال كومبارس؟

 كيف يبدو المسرح الثقافي وقد أصبحن بعض المثقفات راقصات في حفلة ماجنة؟ هكذا تصاب الثقافة في مقتل ثم نهرع نحاول انتشالها من حالة الإغماء.

تتحقق فلسفة النفعية في البيئة العملية بشكل طبيعي جداً حيث تكون المنفعة المادية هي عمود العلاقة بين العاملين ورب العمل، فنحن في بيئة العمل نحرص على تدريب جميع الموظفين الجدد على قواعد السلوك الوظيفي لأن قبول موظف جديد لا يعني انتقاءه الثقافي أو البيئي أو حتى الأخلاقي إنما يعني اختياره المادي لسد حاجة عمل لا يمكن لغيره القيام به، فلن يكون مستغربًا أن تحدث سرقة في بيئة العمل مادامت كاميرا الرقابة مُغلقة, تقول صديقة: لقد سرق جهازي المحمول موظف زميل وقديم لكنه بلا أخلاق ولا أمانة!

حاولت كسب القضية ولكن لم أستفد شيئاً لأن السارق مُنجز في عمله والشركة تنتفع منه أكثر مما تنتفع مني.

العلاقات في البيئة العملية علاقات نفعية تبادلية في أقصى صورها، فالعقد العملي شريعة المتعاقدين والنظام هو السيد, أما الأخلاق والقيم والوعي فهي خيارات شخصية وامتيازات خاصة يأتي بها الفرد تلقائياً أو يفتقر لها تلقائياً، لن تكون بتلك الأهمية فليست من أدوات العمل، ولكن باعتبارها من أدوات الثقافة، هل ستبقى صامدة؟

كيف يمكن فهم ثبات فردانية وانتقائية ونوعية الثقافة في ظل تمازج وتداخل الإنتاج الثقافي الكثيف؟

وكيف يتم تفسير فردانية المثقف التي تماهت في النفعية عندما صارت مؤسسة من شراكات تبادلية تهتم بإملاء جدولها الثقافي السنوي كما تملأ شواغر المؤسسة التجارية؟

في ظل هذا التسارع العولمي والتحول الثقافي، هل ستبقى أدوات الثقافة هي ذات الأدوات الفكرية أولا؟

أم أن عصامية المثقف باتت بلا رائحة ولا مذاق وصار لزاماً عليها التماهي والانصهار والسيلان؟

رأي رجاء البو علي

r.albuali@saudiopinion.org

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

تعليق واحد

  1. مقال فخم .. وجودة ( ماركة )
    كل سطر فيه يحتاج لصقحات للرد عليه
    وكل كلمة فيه مشروع قصيدة إنسانية ..
    لغة المقال فاخرة للغاية
    مرحباً فيكِ كاتبتي الكريمة في فكر القارىء ..
    الباحث عن مصداقية النصح
    وعذوبة الحوار وحترام ذكاء القارىء هنا ..
    أتمنى أن تصل رسالتكِ لشريحة الواسعة من الناس ..
    عسى نجد ويجدون السعة من الوقت ..
    ويستشفوا من السطرين الأخيرين خلاصة الفلسفة من المقال

    كلمة شكر قليلة في حقكِ مع مافي المقال من جودة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى