غدق

المظاهر الاجتماعية الزائفة!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

انشغل الناس بالمظاهر، واهتموا بالبهارج، أصبحت المناسبات والاحتفالات هدرًا للمال، وسرفًا للنعم، أرقام مالية هائلة تصرف لأوقات قصيرة آنية، لو صرفت هذه الأموال الطائلة في وجه حقها على المرضى والمحتاجين والمعوزين والمتعففين، لكان أحسن وأرقى، ولجاءت آثارها طيبة وجميلة، أنها الرغبات المحمومة التي تتحكم بالبعض وفق حسابات عاطفية غير عقلانية، مرتبطة بأعراف مترفة لا حدود غايتها البروز والظهور والتنافس اللاعقلاني وغير المنضبط.

أن هذه الأعمال تحز في النفس، وتثير المواجع، وتعيق التقدم كونها في غير حق، ولا ترتبط بأي منشط اجتماعي يفيد المجتمع ويعلي من شأنه، أن أصحاب القلوب الطيبة، والضمائر الحية، والأخلاق الرفيعة، والنفوس الكبيرة، لا تغفل عن التفكير بالآخرين أحوالهم حاجاتهم ومعاناتهم، وترفض رفضًا باتًا وقاطعًا هذه الاحتفاليات المفعمة بالهدر والتبذير والإسراف.

أن ابتسامة طفل يتيم، أو مريض، أو فقير محتاج، أثمن عن الله وأجزل ثوابًا من حفلة باذخة أسها المباهاة والنفاق والرياء، وأن المقتدرين الذين يسعون على تلبية حاجات الآخرين بالتأكيد يملكون حسًا إنسانيًا راقيًا، مغلفًا بالرحمة والنبل والود والمروءة، أن السعادة ليست محصورة بكثرة المال كنزه وحفظه، بل ببذله لمن يحتاجه ووفق طرقه وتشعباته المشروعة.

أن الفارق كبير بين من يهب ماله ووقته وجهده للآخرين المحتاجين ابتغاء مرضاة الله وعفوه وغفرانه، وبين من يهب وقته وجهده وماله ابتغاء مرضاة الناس وإشادتهم وإطرائهم ومدحهم ليس إلا، لا شك أن الفوارق كبيرة وكثيرة، نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا ورقيًا وحضاريًا.

أن الكثير من هؤلاء النبلاء الذين يعملون بصمت مطبق قد حازوا السبق عن الله ثم عند الناس، وأصبحوا القدوة الحسنة في مضامير النبل والشهامة والمروءة والعطاء، وهم من يستحقون الإشادة والإطراء والتمجيد والتصفيق، أما أصحاب الإسراف والتبذير والبهرجة، الباحثين فقط عن الحضور والمقطع والصورة، فقد انحدروا إلى سفوح النفاق والرياء المبين، وعليهم أن يتذكروا خطورة هذه الأعمال وعواقبها، ويرجعوا عن عنتهم إلى مضامير الخير، ومسالك العطاء النفعي للوطن والمجتمع، أن الضجيج لا يثيره سوى الفاشلين، الباحثين عن الضوء والفلاش وتلميع الصورة، الذين يعيشون التناقض، والسابحين في بحر الذات، والذين يطنبون لكل مادح كذاب، ينتفخون بقوله، وينتشون لبهته.

على هؤلاء أن يعيدوا حساباتهم، ويرتبوا أمورهم بدقة، ويستنفرون قدراتهم وإمكانياتهم في أعمال الخير، ومسالك الهدى، وأن يفكروا بعقل، ويبصروا ببصيرة ثاقبة، ويزيحوا عنهم كوابس الرياء، وأغطية النفاق، أن عليهم أن يدركوا ذلك، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أن التبذير والهدر والإسراف مرفوضة في موازين العقل والشرع والأخلاق، وربما تكون عواقبه خطيرة ووخيمة، وعلى هؤلاء أن لا يستجيبوا للشيطان الذي يزين لهم حب الظهور والبروز من منظور البذح والإسراف، لأن أتباع الشيطان وهوى النفس يوقع صاحبه في المطبات، ويسقط شخصيته بين الناس، ولا خير فيمن يخرج على القواعد الدينية والأخلاقية والإنسانية، أن الربح والمكسب يكمن بالأحساس بالآخرين، والبذل النفعي لهم دون أذى ولا منة، أننا نتطلع إلى أن تكون روح الإحساس بالآخر فاعلة وقوية، بعيدًا عن الزيف والتزييف والظاهرة المنكرة، فما أروع الناس المقتدرين حينما يكونوا أصحاب صفات وسمات راقية ونبيلة، ويوظفون أعمالهم نصرة للإنسان الواهن الضعيف، والمحتاج الفقير، والأرملة والمسكين.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى