بصمة

دروس «كورونا»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الأزمات والوقائع العصيبة عادة تتسبب بأضرار بليغة جدًا على الجميع، فبرؤية سريعة للتاريخ والأزمات التي مرت به من أوبئة وحروب عالمية طاحنة خلفت وراءها الكثير من الآثار الجسيمة التي كسرت أظهر الجميع، وهذه هي الأزمات وإفرازاتها يرسلها الله لنا ويفسح الطريق لها للتغير في الكون والطبيعة والسلوك وغير ذلك.

أزمة كورونا أزمة عالمية وليست إقليمية أو محلية، لذلك آثارها على البشر سواء، فمن التعليمات التي صدرت تعليق الدراسة والعمل وإقامة الصلوات بالمساجد والجوامع بغية تحقيق شيء واحد وهو البقاء بالمنزل حتى لا يزيد انتشار هذا الفيروس الخطير، وهذا يعود للوعي الكبير الذي يمارسه البعض ويتقيد به، لأن الانصياع للتعليمات يُعدُ وعيًا وتحضرًا، فهذه الاحترازات أجبرت الكثير منا بالجلوس في منزله وعدم الخروج إلا للحاجة فقط.

إذًا ما الدروس المستفادة من هذه الأزمة؟ الأغلبية يعتقد أن جلوسه بالمنزل عبء عليه وعلى غيره، لأنه لم يتعود البقاء بالمنزل فترات طويلة، فأصبحنا نشاهد المقاطع السلبية والنكت السمجة التي تصور لنا تذمر الزوجات من بقاء أزاوجهن بالمنازل، وهذه الرسائل وقعها سيء جدًا على البعض، ولكن لو تم إرسال فيديوهات محفزة ونكت جميلة تتوافق مع بقاء الكثير منا بمنازلهم فربما يكون ذلك أفضل وأنجع، فهذه الأزمة سوف يسجلها التاريخ وتتناقلها الأجيال وتتحدث عنها بأنها أول أزمة أوقفت الصلاة بالمساجد وعلقت دور العلم والعمل، فلذلك وجب على الجميع أن يبحث ويستنتج آثار بقائه بمنزله من حيث الفائدة من عدمها.

فتقضية الوقت في تكثيف القراءة والرجوع إلى كتب كانت على الانتظار تحتاج الاطلاع والاستنتاج، كذلك كتابة بحوث أو مقالات أو تسجيل حالات مرت بك في هذه الأزمة وتدوينها لتكون من دفتر ذكرياتك في المستقبل.

الدروس كثيرة في هذه الأزمة منها مخالطة أولادك والجلوس معهم وقت كثير، والتعرف على أفكارهم وقدراتهم الفنية والأدبية، كذلك إعادة برمجة نفسك من خلال التغيير الذي حصل لك، فهذا أهم درس قد تستوعبه وتعمل به، لأن الأزمات لها دور كبير في تغيير كل شيء، أضف إلى ذلك من الدروس الهامة هو إقامة الأفراح دون قصور وصالات فنادق وخسائر مالية باهظة وهياط مطربين ومطربات، كذلك درس قد لا يغيب عن بالنا وهو تقصير بعض الشركات الكبرى والتجار والبنوك في تقديم الدعم للوطن في هذه المحنة، لماذا؟.

أما على مستوى الأوطان فأوضحت لنا الأزمة الحالية اعتمادنا على أنفسنا دون غيرنا وهذا أهم درس تتلقاه الأمم في محنتها وأزماتها، لأنه في الأزمات العالمية لا يمكن لأحد أن يقدم لك الخدمات التي تريدها، ومن ذلك تكثيف التدريب والتطوير في مجالات الطب وعلومه، وبناء المستشفيات في أوقات الرخاء الاقتصادي لتكون عونًا ومساعدًا في احتواء مثل هذه الأزمات.

حفظ الله وطننا من هذا الوباء وجميع الأوطان، إنه سميع مجيب.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى