بصمة

ما بعد كورونا؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لعل القارئ عندما يقرأ هذه المقالة أن تكون الغمة قد بدأت في الزوال والتلاشي، وأن الحياة بدأت تدب وتعود في بلادنا وسائر الدول الأخرى، فتعود صلاة الجماعة والجمع بالمساجد ويعود الطلاب إلى مدارسهم والموظفون إلى أعمالهم، ونكون قد استفدنا من هذه الجائحة العظيمة التي اجتاحت العالم وشلته وعطلته عن مصالحه كاملا، لا يخفى على الجميع الجهد الجبار الذي تقوم به الدولة لمحاربة هذا الوباء ووقف انتشاره في بلادنا.

ما حدث من آثار وأخطار ووفيات كثيرة من هذه الجائحة خطير جدًا، إلا أن المصائب عادة ما تخرج لنا بدروس مستفادة وعظيمة قد نتعلم منها ونستفيد من ضربتها لنا، فعلى المستوى الفردي وجب علينا الاستفادة من بقائنا بمنازلنا تلك الفترة وأن يتم برمجة وقتنا من جديد، حيث اكتشفنا أننا في مغبة الانشغال المتواصل وأننا نشغل أنفسنا بأنفسنا دون برمجة وقتنا، فهذه الأزمة كشفت لنا ذلك وعدم صحة ما كنا نقوم به، فحري بنا أن نعطي هذا الموضوع جدية أكثر وأن يتم إعادة جدولة تواصلنا مع أسرنا، كذلك على المستوى الاجتماعي، فالمناسبات الكبيرة التي كنا نقيمها يجب إعادة التفكير فيها، وكم كنت أتمنى من الجهات المختصة التدخل في موضوع إقامة حفلات الزواجات، وأن تضع مواعيد محددة على سبيل المثال حتى الساعة الثانية عشرة ليلًا وينتهي كل شيء.

زمن كورونا علمنا أننا نستطيع إقامة زواجات أسرية دون تكاليف باهظة، كذلك الاستهلاك المنزلي والمصروفات التي كانت تصرف قبل كورونا وكيف تقلصت إلى النصف بسبب جلوسنا في منازلنا، لذا يجب أن نستمر على هذا المنوال لنتعلم كيفية الاستهلاك وعدم التبذير، فقد أعطتنا كورونا درسًا مهمًا في تخفيض الاستهلاك الشخصي، كذلك التنبيه على طريقة السلام والعناق وأن يكون السلام تحية الإسلام «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ونكتفي بها إلا للضرورة، كذلك يجب علينا بعد انتهاء الأزمة ألا نستعجل في الاختلاط بالآخرين لأننا نحتاج وقتًا كبيرًا ليتلاشى هذا الفيروس بشكل نهائي، فالمسألة تحتاج منا الانتباه وعدم التسرع في الخروج والاختلاط بالآخرين.

أما على المستوى الحكومي، يجب الاعتماد على أنفسنا في كل شيء وخاصة في المجال الصحي والأمن الغذائي المحلي، إذ إن هذين المجالين مهمان للغاية بالنظر لهما بعد انتهاء أزمة كورونا، فالتوسع في المجالات الطبية والصحية وأبحاث الأوبئة وصناعة الأدوية المهمة ودعمها سوف يوفر لنا أمانًا صحيًا بعد الله سبحانه وتعالى، كذلك الأمن الغذائي.

فبتوقف الحركة التجارية في العالم جوًا وبحرًا وبرًا فإن التوسع في الأمن الغذائي مهم جدًا وخاصة دعم المشروعات الزراعية الكبيرة التي توفر لنا جزءًا من الأمن الغذائي، وخاصة الغذاء الهام لنا من قمح وخضراوات وفواكه وعدم الاعتماد على ما يفد لنا من الخارج، كما على إعلامنا جهد كبير في تجهيز الرسائل الإعلامية التثقيفية وماذا يجب عليهم اتباعه من خلال النشرات التي تصدرها وزارة الصحة.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى