أفق

وين الملايين يا عرب؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عندما كنت في زيارة إلى تركيا عام 1994م، وتحديدًا في منطقة ترابيا – إسطنبول، تعرضت لموقف أذهلني، ولولا رحمة ربي لكاد وجهي يتهشم من قبل سيدة كانت خارج وعيها، علمت بأننا عرب وتحديدًا من السعودية، ما جعلها تستاء وتقذف بزجاجة فارغة تجاهي، واستمرت تتحدث بأسلوب محتقن، وبلا سببٍ سوى أننا دخلنا الفندق ورأتنا عربًا.

حينها لم أكن أعرف كمية هذا العداء، بحكم السن ربما وغياب الخبرة، لكن ذلك الموقف بقي حاضرًا في ذهني، حتى ذهبنا في زيارة ثانية للعاصمة التركية إسطنبول عام ٢٠٠٨، واختلفنا مع مسؤول البناية التي كنا نسكنها، فأخذ يقذفنا بأبشع التهم نحن وعائلة عربية أخرى كانت معنا، ويتعامل معنا باحتقار.

في تلك اللحظة شعرت بأن هذا الرجل وأمثاله يجب أن يقفوا عند حدودهم ورغمًا عنهم، ولو كلفني ذلك الكثير، وكنت أتساءل هل تعامَل هذا الرجل مع الساكنين الغربيين الذين كانوا قبلنا في البناية نفسها بمثل معاملته لنا؟ ولماذا تعامل معنا نحن العرب بهذا الأسلوب؟

الأهم من هذا الكره وهذا الحقد التاريخي الإقليمي الذي نفهمه ونعيه من غير العرب لنا، هو كرهٌ آخر من بني جلدتنا الذين يشاركوننا الدم ذاته والتاريخ واللغة والدين، كرهًا وحقدًا لا نفهمه ويصنع جرحًا غائرًا في صدورنا قد يحمله أبناؤنا عنا.

زادت العداوة من العرب والأعراب والأتراك والفرس، لكن الجرح الحقيقي من بعض أخوة العروبة والدين واللغة والدم، عندما يفوح هذا الحقد والكراهية والحسد ونكران الجميل وغدر الوفاء والعطاء ويصل إلى هذا الحال حينها نقول لكم: يا حيف يا حيف، ما كانت السعودية بحاجة لأن تتصارع مع الغرب إلا من أجل العرب، فلدينا ثروات كبيرة -ولله الحمد والمنة- تطوع العالم كله لنا وتجعله يتصالح معنا سياسيًّا من أجل مصالحه الاقتصادية ونكسب حينها.

نحن دولة عصرية، ونكون نهضة عمرانية ضخمة، ونمتلك بنية تحتية قوية، واقتصاديات منوعة، ونقوم بالمفاوضات من أجل مصالحنا وازدهارنا، ومطارات الدول المتقدمة مفتوحة لجوازنا الأخضر بلا تأشيرات، لكن للأسف صراعنا مع الغرب من أجل العرب كلفنا الكثير، حتى أبنائنا المغرر بهم والذين أصبحوا في عداد الإرهابيين والدواعش والقاعدة، كان كل ذلك من أجل المسلمين والعرب والقضية الفلسطينية، من أطراف فلسطين إلى الكويت إلى العراق إلى سوريا، طوال السبعين عامًا الماضية، والسعودية وحكامها وشعبها حتى أطفالها، تأخذهم الحمية والألم من أجل العرب والدفاع بكل ما يملكون، لكن الظاهر أننا لم نستفد كامل الاستفادة من هذه الاستراتيجية فلا صلح حال العرب ولا سلمنا من شر وحقد وغدر بعضهم.

في مدينة القاهرة وتحديدًا في نوفمبر ٢٠١٨ كنت أشارك في ندوة دولية لمنظمة تابعة لجامعة الدول العربية بعنوان «المشروع العربي القومي أسئلة الحضور والمصير» وقلتها صراحة على الحاضرين: ستون عامًا وأكثر ونحن نتصارع مع الغرب ومع إسرائيل ونرفض التطبيع والتواصل ونصر على المقاطعة بكل أشكالها، وما رأيت إلا حالًا أردى وأردى للعرب، كانت قضية واحدة وأصبحت عدة قضايا، فهل يا ترى هناك من العرب من يسعى وراء ذلك؟

وأقولها وبكل أسف: وين الملايين من العرب في رد الجميل ودفاعهم عن السعودية بالقول فقط لا أكثر؟ لن نكلفكم الكثير فنحن من اعتاد على الأفعال، لكن أعود وأكرر وكلي أمل قطعًا أن الشريف الحر من أخوتنا العرب في كل مكان الذين نبادلهم ويبادلوننا المحبة والأخوة، لن يسيء لنا ولن ينسى الجميل ويفهم جيدًا إن طال الزمان أو قصر أنه ليس من صالحنا ألا نكون على قلب واحد.

وداد آل جروان

وداد بنت عبدالرحمن بن علي آل جروان القرني، دكتوراه في علم الاجتماع السياسي، استاذة مساعدة بجامعة الملك سعود في الرياض. كلفت بالعمل الدبلوماسي في الملحقية الثقافية السعودية في بريطانيا، عضو سابق في لجنة الشؤون الطلابية بالسفارة السعودية في لندن ونائب رئيس قسم قبول اللغة. شاركت وترأست العديد من المؤتمرات والدورات التدريبية واللجان، كما شاركت في العديد من الزيارات التي تقوم بها اللجان المكلفة بالملحقية الثقافية في كل المدن البريطانية لغرض توعية الطلاب السعوديين بنوعية المشاكل القانونية والاجتماعية التي قد تواجههم أثناء تواجدهم في مقر البعثة. عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم السياسية، لها العديد من كتابات الرأي في الشأن المحلي والسياسي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى