بصمة

البرمجة القسرية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

البرمجة هي منهجيّة لوضع إجراءات وخطوات واجب اتخاذها لتحقيق أهداف محدَّدة وبصورة فعَّالة.

الإنسان بتكوينه الطبيعي لا يمكن له أن يستسلم لأمور تكون ضد رغباته وسعادته، فأغلبنا عانى من تربية أولاده من خلال إجبارهم على عدم السهر والخروج من المنزل ومن الذهاب إلى المطاعم والمقاهي، والسهر حتى الصباح خارج المنزل.

وكم من زوج وزوجة افترقا بسبب هذه المشاكل وعدم انصياع الزوج لأوامر زوجته بالبقاء معها بالمنزل وترك السهر مع الأصدقاء بالاستراحات والمقاهي.

هذا العناء شاهدناه وعايشناه وأصبح السهر خارج المنزل من الأساسيات المحتمة التي لا نقاش فيها، بعد ظهور الجائحة قبل شهرين ونيف، وعندما بدأت الدولة في اتخاذ الإجراءات الاحترازية من هذا الوباء طبقت عملية الحظر الأولى التي كانت من الصباح وحتى الساعة السابعة مساء، ثم تم تقليص الحظر إلى الثالثة، وبعدها أصبح الحظر لمدة أربع وعشرين ساعة، وذلك لسلامة المواطن والمقيم من إصابته بهذا الوباء الخطير.

السؤال هنا: كيف تمت برمجة أنفسنا وأولادنا على عدم الخروج من المنزل؟ الأغلبية منا قد تلقى النكات والتعليقات على بقاء الرجال بالمنزل وما قد يحدث من مشاكل أسرية بين الأزواج والآباء والأبناء، إلا أنه لم يحدث أي شيء من ذلك، فالصغير والكبير والوزير والموظف والفنان والمشاهير من لاعبي كرة القدم وغيرهم، سواسية في منازلهم يمارسون نفس الطقوس ونفس البرامج والألعاب وغيرها من الأمور المسلية، هذا جانب.

أما الجانب الآخر، فكيف تأقلم الجميع على فقد أصدقائهم وتقبل أكل المنزل؟ وكيف استطاع الأولاد نسيان وجبات المطاعم بأنواعها؟ لذلك أقول -ولله الحمد- إن منازلنا أصبحت كالحدائق والملاعب، كذلك أصبحت مطابخنا تقدم أفضل الطبخات والأطعمة، فهذه البرمجة الخفية السريعة التي بداخل الإنسان تحتاج إلى دراسة، فكيف تم التغير والتأقلم سريعا؟ فالتباعد الاجتماعي والبعد عن الأصدقاء وترك ما تشتهي النفس أمر ليس بالسهل، ولكن الإنسان جُبلَ على أنه يحب نفسه قبل غيره، فعندما يكون الأمر يختص بسلامته وعافيته فإن كل واحد منا يضحي بكل شيء ليضمن سلامته أولا وسلامة الآخرين ثانيا،  فقرار الأغلبية بعدم الخروج من المنزل واتباع الأنظمة إنما هو طاعة لولي الأمر، كذلك لحماية النفس من أي خطر قد يداهمها.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى