Ticket

الحظرُ ومواجهةُ أنفُسِنا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

منذ أن أرغَمَنا الوباءُ على البقاءِ في منازِلِنا وقام بتعطيلِ معظمِ تفاصيلِنا الاجتماعية، اضطُرِرنا للبقاءِ طويلا مع ذواتِنا، في لحظاتٍ متفاوتةٍ بين التأملِ والنقدِ وإعادةِ الحساباتِ والتحسرِ أو التفاؤلِ.

لقد جعلنا الحظرُ الذي نعيشُهُ في مواجهةٍ اضطراريةٍ مع أنفسِنا التي طالما كنا نهرب منها في اجتماعٍ بشريٍ أو عملٍ أو نزهةٍ أو تسوق، فلم يكن معظمُنا يملكُ الوقتَ أو الفرصةَ لمواجهةِ ذاتِه وربما لم نكن نرغب في مواجهتها أصلا، فكان الروتينُ العمليُ والاجتماعيُ منفذا نحو النسيانِ والتجاهلِ والمضيِ في الحياةِ دون توقفٍ أو التفات.

والآن تغيرَ ذلك وأصبحنا محاطين بالمرايا من كل اتجاهٍ ومرغمين على النظر إلى أنفسنا دون هروب.

هذه المواجهةُ التي نعيشُها مَنَحَتنَا أوقاتا طويلةً من تأملِ أنفسنا وتأملِ الحياةِ بكل وجهاتها خاصةً النفسيةَ، فانقسمَ الناسُ إلى متذمرٍ من هذا الحظرِ ومتمردٍ عليه، وإلى متقبلٍ ومستسلمٍ لمواجهة نفسه، وفي كلا الحالتين لا مفرَ من المواجهة.

استعدنا ذكرياتٍ قد غابت عن أذهانِنِا، واستحضرنا لحظاتٍ قد طمسَ الزمنُ معالمها، فحضر الماضي حين أصبح المستقبلُ بلا ضمانات، وغاب الحاضرُ حين توقفت فيه معالمُ الحياة.

ومع أنفُسِنا كانت المواجهة مؤلمةً خاصةً لأولئك الذين لم يعتادوا محاسبةَ أنفسِهِم ولم تكن تستوقفهم المواقفُ أو الظروفُ لذلك.

لقد أدركنا أننا كنا بحاجةٍ إلى مثل هذا الوباءِ لاستعادةِ ذواتنا التي فقدناها في طرقات الحياة، واكتشفنا أن معظمَنا كان يسعى لبناءِ هويةٍ شخصيةٍ دون الاكتراثِ بمحتواها، وكنا نركض مسرعينَ وهاربينَ نحو كل الوجهاتِ التي لا تؤدي إلى دواخلنا.

وأخيرا سيمضي هذا الظرفُ العالميُ الذي نعيشُهُ وستعودُ الحياةُ بسكبِ ألوانِها على لوحاتِ أيامِنا وسننسى تلك الوعودَ التي قطعناها على أنفسنا خلال الحظر بمعرفة الطريقةِ الصحيحةِ لعيشِ الحياة.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى