مرافئ

تغلغل خطاب المرض في الرّاهن الإنساني

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

منذ بضعة شهور، يلحظ صعود وتنامٍ في الحركة الخطابية التي موضوعها المرض، وتحديدا فايروس كورونا، إلى حدٍّ لم يسبقه أي وضع مماثل من قبل، وهذا له أسبابه وحيثياته.

كذلك، إنّ انشغال الخطاب الإنساني الرّاهن بالمحتوى المرتبط بالمرض في صباحاته ومساءاته، حتما ينتج أكثر من سؤال لدى الكثير من المتابعين لمجمل الخط الزمني لهذه المرحلة المرتبكة، بل إنها من المراحل الأكثر ارتباكا في العالم أجمع.

خلال هذا النوع من الخطاب الذي يأتي ضمن عصر تزدهر فيه تكنولوجيا الاتصالات وتتسارع فيه معدلات تناقل المعلومة بما لم يكن متوفرا مع أي مرض من أمراض العدوى في العقود القريبة فضلا عن تلك البعيدة، فإنّ هذه الإمكانات توفّر أهم البنى المعلوماتية التي تربط العالم على مدار الساعة بشكل عام، كما تحاول الجهات المعنية في كل بلد مزامنة التقدم العالمي في مسارات الوقاية والعلاج.

لكنّ هذا الحجم فوق المعتاد من الانشغال، الذي بطبيعته يشكل الروافد الرئيسة لخطاب المرض، يضع أعباءً نفسية على المجتمعات، وتحديدا على الفئات العمرية للأطفال، نتيجة البروتوكولات الوقائية الضرورية التي غالبا لا يتمّ إدراكها لدى هذه الفئات العمرية.

هذا الاحتلال الخطابي، كما يعبّر عنه بعض الباحثين، أزاح كل أطر الخطاب الأخرى، وراح يتغلغل في حياتنا اليومية داخل الأسرة الواحدة، وفي المجتمع الواحد وخلال المدينة الواحدة أو البلدة والحيّ الواحد.

ولأنّ هذا النوع من الخطاب قد يشكل في بعض بنياته الإعلامية نوعا من الإفراط المنتهي بآثار نفسية وخصوصاً على الأطفال الذين بطبيعتهم لا يمكنهم بسهولة أن يألفوا حياة الحجر الصحّي أو العزل الكلي من دون توفر برامج تهيئة نفسية وذهنية لمساعدتهم في هذه التحولات القسرية عالميا.

إنّ مجموعة من المقاطع المرئية لأطفال يعيشون هذه الظروف الاستثنائية، يمكن أن تكون شواهد على تسلط العبء النفسي على هذه الفئة التي اعتادت اللعب والحركة في الحديقة وفي المسطح الأخضر وعلى ضفاف البحر وبين ينابيع الماء وترفيه النوادي.

والأمر المفارق يتمثل في عدم توفر البرامج الإعلامية التي تزود هذه الفئة العمرية باللياقة النفسية والتهيئة الإدراكية وتساعد في التخفيف عنهم وخفض مستويات التوتر والخوف لدى بعضهم.

إنّ ما عرضه المتحدث باسم وزارة الصحة محمد عبد العالي في يوم الجمعة قبل الماضي، من تعليق حول اعتبار قلق الأطفال من هذا الوضع يعدّ أمرا طبيعيا، ويجب –كما ورد في مجمل التوصيات– عدم إظهار القلق أمامهم وأن نشرح لهم الوضع ببساطة، يأتي ضمن المستوى الأول –مرحلة السطح- من رعاية الأطفال في هذه المرحلة.

أما المرحلة الأعمق، فيجب أن نوفر استراتيجية رعاية للطفولة في هذه المرحلة، كما في بعض البلدان المتقدمة، ومن ذلك إسهام الجمعيات والمؤسسات النفسية والاجتماعية والمعنية بالطفل، بالإضافة إلى المختصين من أساتذة الجامعات ومراكز الأبحاث، في إطلاق هذه الاستراتيجية التي نأمل أن توسع من مساحة التفاؤل لدى الطفل ولدى الجميع، كما يعبر الشاعر نجم الحصيني «ولقد بلغتُ من التفاؤل أوْجه / وقلائلٌ من يفعلون قلائلُ / حتى تفاعيلَ البحورِ قرأتُها / متفائلٌ متفائلٌ متفائلُ» وطفولة متفائلة في مجتمع متفائل إن شاء الله.

ليالي الفرج

دبلوم عالي في التربية، بكالوريوس لغة عربية، كاتبة في عدد من الصحف العربية والخليجية وكذلك صحيفة الشرق ما بين 2012 الى 2017م، عملت في مراكز تعليمية وحصلت على عدة دورات متقدمة في اللغة الإنكليزية والتجارة الالكترونية. طالبة دراسات عليا حالياً في الولايات المتحدة الامريكية. صدر لها عدد من الكتب في مجال التعليم والشعر والقصة القصيرة والنقد الاجتماعي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى