برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

على الأحياء الاتعاظ من الأموات

لا يهمه من مات أو من مرض، لا يزور القريب من الناس ولا البعيد، لا يشارك الناس همومهم، لا أفراحهم ولا أتراحهم ولا مناسباتهم، ما عنده شفقة على أحد، ولا يبالي بأحد، عنده ركام هائل من لفظ الناس، يمقتهم ولا يودهم، حتى القريبين جدًا منه، ما عنده ثقة بأحد، ويعيش الشك والحيرة، روحه لا تعرف السلام، لا الهدوء ولا السكينة، نفسه مليئة بالظنون السيئة بالناس، فهو لا ينظر إليهم على أنهم أقرباء أو أصدقاء أو شركاء في الحياة، وإنما يعيش معهم الريبة والاتهام والتآمر، حتى وإن أرادوا له الخير.

يسعى بقوة نحو التوحد والتفرد وعدم مخالطة الناس، عاش هكذا، وعلم أبناءه هذه الصفات الرمادية السيئة البغيضة، وورثهم لهم، حتى صاروا مثله أو يزيدون، عاش سلوكًا مضطربًا، وأفعالًا غريبة، أبعدته عن الناس والمحيط، شعوره كان ممزوجًا من الاضطرابات والظنون السيئة.

إن الأصل في الإنسان التعامل الحسن، والأخلاق الفاضلة، والعيش مع الآخرين بقلب نظيف، وسلام روحي، بعيدًا عن الزيف والقناع والخداع، وحين يكون هذا هو ديدن الإنسان فإنه يعيش حياة هانئة ولطيفة مع ذاته ومع الآخرين، فليس مطلوبًا من الإنسان في حياته أن يحمل أطنانًا من السوء والحقد والسواد، والتعامل مع الناس وكأنهم جميعًا أعداء ألداء، وخصوم متربصون، ينتهزون الفرص ويتحينونها للانقضاض عليه.

إن ثقة الإنسان بنفسه ومحيطه حينما تنعدم تنعكس إلى لون من التعامل الغليظ والقاسي معهم، ويراكم ألوانًا عدة ومتنوعة من الشحناء والبغضاء والاحتقانات التي لا تجب أن تكون، وتؤدي إلى الفشل الذريع في العلاقات الأسرية والاجتماعية والتقوقع على الذات المحطمة، ومن الطبيعي أن يكون حصاد هذه الأفعال والانعزالية التامة والانكفاء على الذات، حياة مريرة، قوامها التعب النفسي والخواء الروحي.

إن الناس يعرفونك من خلال سلوكك وتعاملك وتفاعلك ومشاركتك همومهم وأفراحهم وأتراحهم، وهذا ما حث عليه ديننا الإسلامي الحنيف، قرآنًا وسنة وأثرًا، فكيف يكون موقف الناس منك.

إن الإنسان الانعزالي، الخائف من معاشرة الناس، والحانق عليهم، لن يقود إلى وضع وردي بهيج، وإن حاول التضليل، وارتداء ثوب الصلاح والتقوى.

إن عدم اهتمام الإنسان بالأقارب والأصهار بشكل ودي، يعد عملًا استفزازيًا، يدينه الناس ويمقتونه، وإن ضرب التواصل عرض الجدار، لا تتحمله النفوس المؤمنة على الإطلاق، وإن ترك الأقارب والبعد عنهم وتوريث ذلك للأبناء، يعد خرقًا كبيرًا لتعاليم الشرع الحنيف، خاتمتها سواد وقتامة، وترتد بالتأكيد على واقع من خلفه الذين يسيرون على نهجه دون حياد، وبعيدًا عن العقل والمنطق.

وإن من يكيل بمكيالين في حياته، ويطلق الأفعال السيئة على عواهنها حين كانت تدب في جسده الحياة، لن يحظى بحب الناس وتقديرهم لا في حياته ولا بعد مماته، وإن تهميش صلة ومواصلة الأقرباء وتفقدهم عملية ممقوتة ومرفوضة، ولا تعود إلا إلى مردود سلبي على صاحبها.

وإن الحياة مليئة بالدروس البليغة والأحداث والشواهد والقصص والمثل، فـ«خير الناس أنفعهم للناس» كما قال رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – وهذه هي سمات الإنسان الراقي النبيل، ومقياس عظمته وسمو رفعته ومكانته عند الناس، ومن يملك هذه الأشياء الكريمة يقتحم قلوب الناس بلا استئذان، يودونه في حياته، ويتحسرون عليه حين مماته، عكس الأنانيين والمتوحدين الذين يعيشون في مستنقعات الكراهية والبغضاء، لن يجدوا سوى كلمات الاستهجان والتقريع نتيجة مواقفه ومسالكه السيئة.

فيا أيها الناس كونوا مع الناس، فالحياة قصيرة، ولن يبقى لإنسان سوى الذكر الحسن، أو الذكر السيئ، فليختر الإنسان أي مسلك يسلك، وأي طريق يتبع.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

تعليق واحد

  1. صدقت استاذ كانت نفس فكرتي في مقالي السابق لابد من وجود سلوك لحياة معتدلة
    للاسف كثير من ما يسمى بدورات تطوير الذات و رسائل الواتس و المقولات تدعم فكرة الانفراد و العزلة و الانطواء بدعوى ارتق بنفسك و تميز عن الآخرين و ريح رأسك و اخشى الخذلان و و و إلخ مما ادى الى خلق فجوة كبيرة ( خير الناس أنفعهم للناس ) 👌جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق