برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

التقنية بين الثواب والعقاب

على الرغم من نباهته وتفوقه الدراسي وبره بوالديه، ضاق المراهق الصغير بمعاملة والده له وقسوته عليه، وحرمانه من أبسط حقوقه، أن يعيش كأقرانه ويحصل على ما يحصلون عليه من ألعاب إلكترونية وأجهزة ذكية.

أن يتعامل مع التقنية الحديثة هو حلمٌ بعيد المنال، وأن يتحدث بلغة العصر فذلك سابع المستحيلات، في ظل تعنّتِ والد يرى في كل التقنية شرًّا مستطيرًا ونقمةً على أطفاله، فيقرر عزلهم عنها تمامًا، كأنه لا يدركُ بأن طفله لا يعيشُ في قوقعة، بل يذهب إلى مدرسته ويلتقي زملاءه كل صباح، ويقابل رفقة الحي كل مساء، أو كأن ذلك الأب لا يعرف بأن لدى ابنه حاجات نفسية تضاهي حاجاته المادية، وبأن تلكَ الرغبات إن لم يتم إشباعها بالطرق المشروعة داخل المنزل فسيبحث عنها خارجه.

حين فاز أكبر الأبناء في مسابقة لتحفيظ القرآن تم إهداؤه جهاز آيباد، فشارك فرحته مع إخوته بأن سمح لهم باستخدام الضيف الجديد، لكن صلافة الأم هي الأخرى تسير بالتوازي مع الأب، حين أصرّت على مصادرة الجهاز، والمنعُ مجددًا هو الحلّ الأول والأخير لدى الوالدين المتعلمَين شهادةً، الجاهلَين تربيةً.

لستة أشهر يخطط الابن للهرب من المنزل المعزول تقنيًا، والانعتاق من جبروت الوالد المتحجّر فكرًا، الغليظ سلوكًا، في اليوم الموعود يضعُ الابن في جيبه «تجميعة» عيديته زادًا، ويمتطي دراجته الهوائية راحلةً تأخذه إلى المجهول، إلى أبعد نقطة يمكنُ أن تساعده لياقته الصحية كطفل في الوصول إليها، عابرًا طريقًا سريعًا وبضعة شوارع وأحياء، ولثلاثة أيام بلياليها، يفترشُ الأرض ويلتحفُ السماء، يستجير بالمسجد ويبتهل بالدعاء ويذرف الدموع عقب كل فرض، وينام في الجدران الخلفية حيث لا تدركه الأعين بينما تشاركهُ القوارض طعامه.

يلاحظ الجيران الطيبون هذا الوافد الصغير على حيهم فيستنكرون ويبادرون بتلقفه ومعرفة خبره والمبادرة لحل مشكلته، سعيًا منهم للإسهام في إعادته إلى أحضان أسرته بأمان، وحدها الرحمةُ الإلهية أنقذت هذا الصغير من مآلات لا تُحمد عقباها، وكل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل جهاز لوحيٍّ أو لعبةٍ إلكترونية، تبًّا للتقنية إن لم نحسن استخدامها وتوظيفها مع أبنائنا بالشكل الأمثل.

نعم لا إفراط ولا تفريط، لم توجد التكنولوجيا لتكون عُملة للتربية! إن أحسن أبناؤنا كافئناهم بها وإن أساؤوا حرمناهم منها، وفي صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه»، فرفقًا بأبنائكم، استوعبوهم وتعاملوا مع رغباتهم بحكمة، هنالك دائمًا منطقة رمادية بين الإشباع والحرمان، هنالك حلٌّ وسطٌ بين الحرص المبالغ فيه واللامبالاة، والعاقل من اتعظ.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق