برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

«التفرغ الثقافي» وقبيلة الشياطين

«التفرغ الثقافي» عنوان لافت لإحدى المبادرات التي أطلقتها وزارة الثقافة في السعودية، ضمن إطار رؤيتها الجديدة والطموحة، وفي حيثيات الإعلان عن هذه المبادرة أنها تركز على تفريغ المبدع السعودي لإنجاز مشروعه الثقافي أيًا كان نوعه: رواية، كتاب، فيلم، مقطوعة موسيقية، وغيرها، وسيتم تحديد أسماء المبدعين الذين نالوا حق التفرغ وفق ضوابط تتعلق بجدية مشروعاتهم، ومدى إضافتها لرصيد الثقافة السعودية.

ومن خلال الإعلان وحيثياته نفهم أن المعنيّ بالمبادرة عموم المثقفين في السعودية، ونفهم أيضًا أن ضوابط هذه المبادرة تتلخص في: مشروع ثقافي يقدمه المبدع، يتسم بالجدية، ويضيف إلى رصيد الثقافة.

طيب يا وزارة الثقافة، هذه مبادرة مهمة وفريدة دون شك، وهذا إعلان جميل في ظاهره، لكن المثل الإنجليزي الشهير يقول: «الشيطان في التفاصيل»، ومن يمعن النظر في تفاصيل هذه المبادرة، ويعود بالنظر إلى المشهد الثقافي المحلي، يعرف جليًا معنى أن تستوطن قبيلة من الشياطين تفاصيل وحيثيات بعض الأفكار والمبادرات.

والضوابط المعلنة من قبل الوزارة، بهذه الصيغة العامة الفضفاضة توحي أن جهد «الوزارة» كله سينصب في هذه المبادرة، وإلا فكم هي أعداد المبدعين في السعودية؟ وكم الذين سيطالبون بالتفرغ لإنجاز مشروعاتهم الإبداعية؟، أو لنقل: أي زاهد ذلك الذي لن يرى لنفسه حقًا في التفرغ؟، وإذا كان كل مبدع على قناعة تامة بجدية مشروعاته واشتغالاته الثقافية، فما المعيار الذي تتحدد على ضوئه حقيقة جدية تلك المشروعات وجدارة أصحابها بالتفرغ لأجلها؟، وما المقياس الذي سيتعرف به القائمون على المبادرة في «الوزارة» على مدى ما يمكن أن يضيفه مشروع ثقافي إلى رصيد الثقافة؟ خاصة أن أصحاب المشروعات سيتقدمون بها، وهي ما تزال في مهاد الأفكار الأولى؟.

وإذا كانت بعض الجهات العلمية والأكاديمية تمنح التفرغ العلمي لكوادرها رسميًا لإنجاز مشروعاتهم البحثية، فهل سيكون لأولئك أيضًا نصيب في مبادرة التفرغ الثقافي أم يكفيهم تفرغهم العلمي ويخب عليهم؟.

وإذا كان بعض ألمع المثقفين والمبدعين محليًا يكابدون المرارات كلها في سبيل الحصول على يوم أو يومين من الإجازة المتاحة لهم رسميًا بموجب نظام الخدمة المدنية، للمشاركة في المحافل والفعاليات الثقافية، بسبب العقليات المتكلسة في بعض القطاعات الوظيفية، فهل سيكون من اليسير الحصول على تفرغ يمتد عامًا أو عامين لأولئك المثقفين من جهاتهم الوظيفية ليكتب هذا رواية ويمثل ذاك فيلمًا؟، وهل سيكون من المألوف بعد هذه المبادرة أن يدلف الموظف الفنان على رئيسه في العمل – مدير تعليم مثلا – فيقول: سأذهب لأعزف شيئا من الموسيقى، فيجيبه مدير التعليم: اذهب يا موسيقار العرب؟.

وهل وضعَ من يرتب أمر هذه المبادرة في الاعتبار أن التفرغ يعني التنسيق الشامل مع مختلف قطاعات التوظيف والأعمال والحصول على الموافقات؟، وكيف ستتم جدولة وتنسيق الآلاف من رغبات وطلبات التفرغ التي ستنهال على «الوزارة» ساعة الإعلان عن انطلاق المبادرة، وعلى أي الأسس تتم المفاضلة بعيدًا عن عمومية معايير الجدية والإضافة؟.

الحق أن التفرغ الثقافي مبادرة منتظرة، وفيها – إن صح تنفيذها – تقدير حقيقي للمثقف ودوره وجهوده، لكن عشرات الأسئلة تطرح على هامشها، وحشود من الشياطين «تتنطط» في تفاصيلها!.

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق