بعض الاقاويل

«الصحة» بين الخدمة والنظام

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لكي نبسط الفكرة، فإن النظام يضمن لك العلاج وفق آليات إدارية تفتح أبوابها من مراكز الرعاية الأولية، وتنهي بك للعلاج في مستشفيات متخصصة داخل أو خارج السعودية، وعلى نفقة الدولة، وذلك دون تمييز بين المواطنين، والنظام السعودي هنا متفوق على كثير من الأنظمة الدولية المعاصرة التي تقصي فئات من مواطنيها بسبب التأمين التجاري.

أما ما يعتمل في أروقة تلك المؤسسات من آليات مهنية، فإنها تسمى الخدمة وتشمل كل الخدمات المعروفة للجميع داخل وخارج المستشفى.

المشكلة الأساسية في «الصحة» السعودية تكمن في الخدمة، ولذلك فلسفة بسيطة ومباشرة، وذلك أن الخدمة الطبية المهنية تنتمي لثقافة العلم، وأن أسوار مؤسساتنا الطبية منتهكة في هذا الجانب بعوامل تقتحم مساحاتها وتضعف تأثيرها، وهذه العوامل اجتماعية الأصل في غالبها، وذلك لا يخص السعوديين وحدهم، بل يشترك معنا في ذلك المتعاقدون العرب وفئات من العالم الثالث الذين يقاومون ثقافة العلم في شأنهم العام.

الانضباط، الترقب، اليقظة وتقدير الخطر، التجربة وأثرها، أفضل الممارسات، كل هذه المفاهيم التي يصبها العلم في ميدان تطبيقه لا تتناسب أبدًا مع مخرجات تعليمية أنهكها الضعف، ولا مع ممارسين يغيب عنهم هذا الوعي ولا مع مجتمع لا تستوعب نخبه النهايات العملية والمآلات الفلسفية للعلم – وهنا نقصد الطب – في مجالاته المختلفة.

مظاهر هذا الخلل في التفكير المرتبط بالمجال العلمي لا تتحمله الجهات مقدمة الخدمة فقط، بل يشاركها في ذلك الذراع الإعلامية وما تمليه من جهل يقوم على العاطفة، وكذلك المستفيد من الخدمة الذي يمكن لثقافته الشعبية بالتمدد ومقاومة ثقافة العلم.

إن الانحياز غير المتوازن للحالة الوقائية على حساب الحالة العلاجية والذي برز مؤخرًا كأداء مؤسسي، وفوضى الطب البديل الذي تبثه مواقع التواصل، يؤكد ما أرمي إليه هنا.

ليس ها هنا تقديس للعلم ونهاياته الواقعية غير المتسقة مع أشواق النفس البشرية، لكن علينا تشخيص مشكلاتنا بدقة ثم التقرير لأي ثقافة ننتمي، فإما نأخذها بحقها أو نعتزلها.

طارق العرادي

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى