برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

تصنيم تمثال الحرية

بغض النظر عن الاختلاف الفقهي المعروف في حكم التماثيل والتصاوير، إلا أنني أتحسَّرُ على تعليمنا الشرعي حين خرَّجَ لنا جيلًا من الكهول والشباب لا يفرِّقُ بين الأصنام والتماثيل، وسيرى ذلك من يقرأُ تعليقات الناس عبر «وسائل التواصل الاجتماعي» على ما يسمى «تمثال الحرية المؤقت» الذي وضعه المنظِّمون في هيئة الترفيه لأجل فعاليةٍ سياحيةٍ مؤقتةٍ بأيامٍ معدودةٍ في كورنيش جدة.

ولستُ في هذا الصدد مدافعًا أو رافضًا، ولكني راصدٌ ومتابعٌ، ليس لديَّ اعتراضٌ على من يدلي برأيه، فله حقُّ التعبير، ولستُ ضدَّ النقد العلمي، عجبي كلُّه من النقد غير العلمي الخالي من المنطق والعقل، عجبي من تلك الأعداد الكثيرة من شبابنا وكهولنا الذين لا يستطيعون التفريق بين الصنم والتمثال، حتى وصلَ ببعض المعلقين إلى أن يستحضروا قصةَ عمرو بن لحي وتغييره دين إبراهيم الخليل – عليه السلام – الذي أدخلَ الأصنامَ إلى أرض العرب، وأنه هو الذي قدِمَ بـ«هُبَل» إلى أرض مكة فنصَبَه وأمرَ الناسَ بعبادته.

هذه الأعداد الكثيرة لا تفرقُ بين الصنم – والجمع أصنام – وهي التماثيل المجسَّمة أو المصوَّرة التي تُعبَدُ من دون الله، وتحريمها من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن اعتقدَ بشرعية عبادتها فهو خارجٌ عن ملة الإسلام، وبين التمثال الذي هو نحتٌ من حجر أو خشب أو نحاس أو غير ذلك.

فالتمثال عبارة عن ظاهرة فنية إذا لم تكن للعبادة، وتكون صنمًا إذا اتخُّذت للعبادة، فكلُّ صنمٍ تمثال، لكن لا يلزم أن يكون كلُّ تمثالٍ صنم, فالتماثيل التي لم تُتَّخذ لأجل القُربة الدينية، كالتي تُتَّخذ للزينة والسياحة والآثار ليست أصنامًا، وتبقى على مسماها الأصلي تماثيل، وهي المقصودة بقوله تعالى {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ}.

قال «ابن عطية» في تفسير المحرر الوجيز «وحكى مكي في الهداية أن فرقةً كانت تُجوِّزُ التصويرَ وتحتجُّ بهذه الآية، وذلك خطأ»، ونأخذ من كلام «ابن عطية» أن قومًا قد أجازوا تلك التماثيل التي لم تُتَّخذ لأجل قُربةٍ دينية، علمًا أن عامة الفقهاء والمفسرين على تحريمها، لكنها مخرِجةٌ عن الملة إذا اتُّخذت لأجل قُربةٍ دينيةٍ بنصِّ القرآن {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}.

والذي أنشده أن يكون النقدُ علميًا، لا مانع من نقد تمثال الحرية شرعًا، لكن بشرطٍ علمي وهو أن يبقى على مسماه بأنه مجرد تمثال، وليس صنمًا يُعبَد، وعتبي الشديد على تعليمنا الذي يتأخرُ كثيرًا في تأصيل علوم العقل والمنطق، فلقد وصلنا إلى مراحل متأخرة من المهاترات والجدالات الفقهية الخالية من التأصيل، وكل ذلك بسبب إهمال علوم العقل والمنطق والفلسفة في مجالات الدراسات والمناهج الشرعية، فبتلك العلوم نستطيع فهم مقاصد الشريعة، وبتلك العلوم نستطيع فهم الفرق بين القطعي والظني وبين المجمع عليه والمختلف فيه، قال ربُّنا وهو أصدق القائلين: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق