برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فوانيس

«بيداغوجية» المُغردين المُعاصرة

لعل أبرز ملاحظة مثيرة للاهتمام عن كتابة المحتوى الإلكتروني اليومي – في وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا – هي الاستنساخ الذهني.

يمكن القول بصورة إجمالية: إن المحتوى المكتوب والمقروء – في «تويتر» خصوصًا – بات مُستهلكًا ومُجهَدًا من الاستخدام المتكرر، حتى أن الكلمات المعدودة التي تقرأها بشكل يومي تكاد تلفُظُ نفسها من شدة الرتابة والتكرار.

لا يكاد يخلو المحتوى السياسي من «بيداغوجية» الجماهير وتحويلهم إلى كلاب مسعورة، مع أو ضد، بحسب النتائج التي يحصل عليها المُغرد القائد من الجماهير المسعورة، ولا تكاد تلمس أي تجديد في المحتوى الأدبي الذي تحول إلى منصة لعملية التنميط الجماعي، فكل المُغردين كُتّاب وشعراء وروائيون وقاصّون، والبقية من ذوي الأرقام الفقيرة المشنوقة في سقف الفضاء، هم مجرد تابعين لهؤلاء، فيكتب العظيم عن الكتابة، فيكتبون جميعهم عنها ويكتب عن العُزلة فيعتزلون جميعهم معه ويكتب آخر عن القهوة، فيهجرون الشاي لأجله، وتظل القهوة مشروب الأُدباء الذي يميزهم عن بقية الطبقة الجاهلة التي تشرب الشاي لأسباب مجهولة.

وهذه الطريقة الجماعية هي طريقة دينامية فاعلة في عملية إرضاء المتابعين والتابعين، وما من شك أن احتياجات الجمهور هي الحاكمة، بل إن الذوق العام هو المتحكم الأول في المحتوى الإنتاجي، ولأجل هذا السبب تضاءل الخطاب الأيديولوجي بأنواعه في مثل هذه الأمكنة المستنسخة، ومن يستطع قراءة خط الزمن سوف يلاحظ ذلك بكل وضوح.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أنه ظهرت بين صفوف المُغردين شخصيات اهتمت بمجال الفلسفة و«دمقرطة» التفكير ونبذ التأطير والانحياز المعرفي، إلا أنه ظل الكثير منهم يستخدم الكتابة للتأجير والتكسب الرقمي.

يجب على الشخص أن يعي الفرق بين الشخصية المنوطة بغيرها من الشخصية المُقادة ذاتيًا، وأن يضع في اعتباره الفرق بين المرحلة السابقة والحالية في تقنية الكتابة والقراءة، وأن يكون فَطِنًا في كيفية إرضاء ذاته ومواكبة التغيير الذي يحدث باستمرار في المجال الذي يكتبه ومن لم يُساير التغيير فسوف ينتهي، فاجعل من كلماتك جنودًا تغزو العقول لا عبيدًا مأسورة.

فوزية الشنبري

فوزية حسين عمر الشنبري، بكالوريوس كيمياء من جامعة أم القرى، كاتبة قصة، فازت روايتها «لعبة نزقة» في مبادرة إنثيال، نشرت مقالاتها في عدد من الصحف السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق