برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

على الأطلال

كل إنسان على هذه البسيطة يمتلك ماضيًا أسعده يومًا فظلت أحداثه الجميلة تسكن ذاكرته، وظل هو بدوره يسكن زمنها، يبتسم لها كلما أثارت حفيظته رائحتها الزكية، ولاحت في حاضره تداعياتها المبهجة.

وقد تحزنه بعض منغصات ماضيه فتكدر عليه حاضره، وتشلّ زمنه فلا يبرحها ليقف مطأطئًا أمام طللها يتحسر عليه، مجترًا ألمه، متغنيًا بحزنه.

وقد يكون ذلك الطلل بيتًا عاش فيه أجمل الذكريات فغادره مكرهًا لا بطل، وقد يكون حبيبة نزعتها الخطوب من قربه فاستيقظ على فجيعة فرقاها، وربما يكون أبًا حانيًا اختطفه الموت بلا استئذان، فظلت رسوم الطلل تذكي لوعة غيابه، أو أُمّا رؤوما داهمها المرض فرحلت، وظل هو ينعي حرقة الفقد، ولا حزن يضاهي اكتواء الوالدين بموت أبنائهم أو غيابهم، أو عزًّا غادر عزيزًا فبقي ذلّه، أو صحة فنيت وبقي رسم الاعتلال مخيمًا على صاحبه، بل إن كل حدث مؤلم يمر على الإنسان سواء كان له يد فيه أو لم يكن يعد طللًا جاثمًا في ذاكرته! وقد تمر أحداث الماضي رتيبة مملة فتسقط من زمنه بلا اكتراث أو شعور.

ويظل السؤال الصعب: لماذا يعجز الإنسان عن المغادرة ويتشبث بالطلل؟ لماذا لا يستطيع أن يستمتع بفرح حاضر ويستمرئ البقاء قيد ذاكرة حزينة لا يطيق بعدًا عنها؟.

إن التجربة الإنسانية تفرض على الإنسان أن يغادر حزن الماضي حتى يتوازن مثلث حياته الزمني بين ماضٍ وحاضر ومستقبل، فكل حدث منوط بزمنه، وليس من إنصاف الذات تقييدها فيما فات على حساب العمر اللحظي فيما هو آت، فهذا يعطل عجلة حياته ويحدث الخلل والاضطراب في وظائفه وآماله ليبطل فاعلية مستقبله، ويصبح أمله المنشود ألمًا موقودًا، وليس مجديًا أيضًا أن ينسلخ المرء من ماضيه فهو حاضره ومستقبله.

فكل حدث منوط بزمن لكن على الإنسان أن يمضي فحسب حتى لا يبقى ملوثًا بالحرقة والذاكرة المؤلمة، وحتى ينجح في عبور الحدود عليه أن يدلف من ثلاثة أبواب الزمن بمهارة، فباب الماضي المدرك لما حدث المستوعب حجم التجربة وحدودها برضا يجعله يفضي لباب الحاضر بنضج فيصنع من تجربته خبرة إيجابية وأملًا يطرق به باب المستقبل بسعادة تُسكنه مثلث الزمن بنجاح.

ومن قصيدة كلمات محمد موفق وهبة اختتم مقالتي بما قال: «صديقي، عَما قريبٍ بُعيدَ كِتابَةِ هَذي السُّطورْ / سأطلقُ نَفسيَ من سجنِ وهمي إلى عاطراتِ الرّحاب / سأرمي ورائيَ ما بي / من الحُزنِ، منْ حسرَةٍ واكتِئابِ / سأنضحُ دَربي المُمِلَّ سرورًا سأملأه بالزهَرْ / سأَدخُلُ عبرَ حَياةٍ جَديدَة / بنَفسٍ سعيدَة».

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق