برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
ستــة ياردة

مروض الوحوش البرية

بأشهر الربيع تخفت لزوجة الساحل الشرقي، تهب النسمات الغضة وتعلو مناسيب الأوكسجين، تتفتح الجيوب الأنفية لاستنشاق أكبر كم من النسيم فتتسع الصدور.

ربما كان لانتقاله في هذه الفترة – تحديدًا – إشارة أو مصادفة ما! ارتدى قميصًا أكبر بعلامتين من مقاسه الاعتيادي، كي يحتوي اتساع صدره، وحمل حقائبه إلى الرياض، هناك حيث بدأ مشوار الحلم والترويض.

عندما يقف بجوار خط التماس كي يمنح توجيهاته، تشعر أن هناك رجلًا ونيفًا، يمنح توجيهاته، يعزز تعليماته، ولا ينسى أن يمرر دعاباته ومزاحه أيضًا مع جميع لاعبي فريقه، إنه الكابتن خليل الزياني، المدرب الوطني الوحيد، بجوار زميله الكابتن ناصر الجوهر اللذين حققا للمنتخب السعودي بطولات خارجية.

بأول استحقاق قاري – كأس آسيا 1984 – كان المدرب خليل هو أول من يفيق صباحًا في المعسكر، وبأيام المباريات كان أول من يركب باص الفريق، كان يسبق اللاعبين في النزول إلى أرض الملعب، يتجول داخل المستطيل ويضرب العشب ببطن حذائه الرياضي، وكأنه يختبر مواءمة العشب لمسامير «كدائس» أبناء الرمل والجبل، أو ربما يروض العشب كي لا يؤذي مفاصل أقدامهم، يصلي بعد ذلك على الدكة، ثم يمسك بأذرع لاعبيه قبل انطلاق صافرة البدء ويتمتم بكلمات لا نعرف ماهيتها من خلف الشاشة الصغيرة حينها.

في المباراة النهائية، أمام الصين، وبعد أن سجل ماجد عبدالله الهدف الثاني، ليحسم اللقاء، ركض خليل الزياني في مضمار الملعب الجانبي بفرح وبكاء وجنون، وابتعد كثيرًا لدرجة أنه خيل لنا أن وصل إلى وسط المدينة، وعندما أصيب بعدها ماجد عبدالله إصابة بالغة أخرجته من اللقاء، جلس «خليل» على الدكة ويديه على رأسه وكأنه يحضر إصابة أحد أبنائه في حادث مروري مروع، وعندما انتهى اللقاء، و«ماجد» لا يستطيع الوقوف على قدمه، أصر خليل الزياني أن يصعد «ماجد» معهم إلى منصة التتويج كي يحمل الكأس، حمل اللاعبون «ماجد» على أكتافهم وساروا خلف «الزياني» ليصعدوا به إلى منصة التتويج.

هذه العاطفة المتبادلة بين أعضاء الفريق، وهذه الرقة والعذوبة في التعامل والتعايش يصعب أن يصنعها أحد إن لم يكن مروضًا لجفاف مشاعر الوحوش البرية، تماما كما فعل خليل.

سعيد الأحمد

صاحب رواية "رباط صليبي"، و "عسس"، كما له عدد من النصوص في كتب مشتركة مع كتاب آخرين، نشر العديد من المقالات النقدية في الصحافة المحلية والعربية، عمل كمحرر ثقافي وترأس جماعة السرد في نادي الرياض الأدبي، لديه العديد من الكتب قيد النشر، كما أنه لاعب كرة سابق ومهتم ومحلل رياضي له العديد من المشاركات الصحفية والتلفزيونية في مجال الرياضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق