برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

«سُك على بناتك»

شكّل العنوان أعلاه شبحًا بدائيًا جدًا من الاستياء في وجدان طفلة تعشق مسرحيات «فؤاد المهندس»، لكنها تربأ به أن يقرر حبسها أو التحكم بها، كنتُ بين صفوف المشاهدين طفلة صغيرة أمام خشبة مسرح مفتوح في حدائق غنّاء بالقاهرة.

شاركته البطولة شيريهان وإجلال زكي وسناء يونس – رحمها الله – والثلاثة كن بناته بثلاث مشكلات مختلفة تشغله عن تتويج قصة حبه لـ«شويكار» التي كانت تطل على الجمهور فقط بصوتها المبحوح المميز، كنت أتساءل: كيف يعني «يسك» الأب على بناته وفي الوقت نفسه يؤمن بأحقية حصول المرأة على كامل الأهلية في اتخاذ القرارات المناسبة لحياتها؟.

ومع انتهاء عهود الرق والجواري وأسواق النخاسة، من ذا الذي يقدر على إغلاق الأبواب؟ ولماذا؟، حتى فهمت أنه كان يقصد بناء الثقة وتعزيز العلاقة بين الوالد وبناته على الصراحة والانفتاح وتبادل الأحاديث المثمرة، في محاولة لمناقشة مشكلاتهم وإبداء النصح قدر الإمكان، دون جرح الخصوصية من جانب الأب ودون خدش التربية من جانب البنات، رغم صعوبة تحقق المعادلة لعدة أسباب، منها استعجال النتائج وعدم التحلي بالصبر والحنكة لإدارة الشؤون التربوية وطوارئ سني المراهقة والشباب، والخلط أحيانًا بين التوجيه والسيطرة التي تعكس علامات قصور نفسي في شخصية أحد الأبوين.

إلا أن الأيام أبدت لنا أن الطريق الأسهل – التسلط والانغلاق وانعدام الحوار واحتكار التفكير المستقل – أثبت فشله وتسبب في نشوء مشكلات أخرى ليست ثانوية، كالانتحار وهروب الفتيات والاعتداء على الأبوين.

بلغنا من تجارب الحياة ما يؤكد أنك لا تستطيع إيقاف القدر كما لا تستطيع التحكم في حياة أحد أو معتقداته أو أفكاره، لذلك مهما حاولت نقل المعرفة – وهي عصارة تجاربك – فإنك لن تجد آذانًا صاغية تستجيب لوصاياك، إلى أن تخوض الشابة تجاربها بنفسها حتى يستضئ رشدها وتنضج مخابرها، أستحضر الفكرة من هذه الزاوية لتقودني إلى أن السبيل لاكتساب ولاء النساء وطاعتهن لن يكون بإخضاعهن لقوانين ولاية، وما قد يُقبل من الأب لفضله وعلو قدره لن يُقبل من أخ صغير درّسته أخته وحفّظته كيف يكتب اسمه، أو ابن حملته على وهن ووضعته على وهن.

إسقاط الولاية القريب البعيد ليس إيذانًا بالانفلات الاخلاقي وتفكك الأسر، بل عودة الثقة والتصالح كأسس تقوم عليها العلاقات لا على الخوف والمصالح.

وبعد عدة مواقف جنونية كوميدية لبناته الثلاث، وبعد أن أثبتن أنهن سند يُعتمد عليه وعقلية يمكن الوثوق بها، اختتم الرائع فؤاد المهندس المسرحية مستسلمًا بعبارة ساخرة «سُك على بناتك.. بس اعطيهم المفتاح».

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق