برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

هل نحن ما نخفيه؟

‎بينما كانت أناملي تعبث في أرفف مكتبتي المنزلية الصغيرة بحثًا عن كتيب يزيل عني ضجر اليوم ويخفف عني وطأة الحر، إذ بنظري يقع على كتابٍ وصلني قبل عدة أعوام من الكاتبة والشاعرة السعودية الرائعة هيفاء العيد بعنوان «أنا ما أخفيه».

‎ورغم أنني قرأت هذا الكتاب أكثر من مرة لجميل محتواه وروعة طرح صاحبته وجرأتها، إلا أن هذه المرة حظي مني عنوان الكتاب «أنا ما أخفيه» بتركيز شديد وتأمل فيما وراءه أكثر من عنايتي بمضمونه.

‎كان ذلك كافيًا ومحركًا لأسئلة ضجت في داخلي، هل حقًا نحن ما نخفيه؟

‎هل الظاهر من سماتنا وسلوكنا ورغباتنا وأقوالنا لا يعبر عما نخفيه؟

‎هل ما يراه الآخرون منا من تصرفات وتعبيرات وإيماءات لا يعكس حقيقة دواخلنا؟

هل تتوارى حقائق الشخصيات خلف سواتر الدين وحجب العيب وأسوِرة العادات وسياط النظام؟

‎هل سعينا في ميادين الحياة والعمل تقوده أهداف وغايات نبيلة أم يشوبها شوائب غرضية فإن لم ننتفع منها تغيرت مسالكنا؟

‎هل شخصياتنا الحقيقية هي الجانب الخفي منا؟ وهل الظاهر من سلوكياتنا وأقوالنا وتوجهاتنا لا يعبر عن حقيقتنا؟

‎هل يمكن للممعن المتفرِّس أن يكشف عن بواطننا ويتلقف ما تلقيه أقلامنا وما تنثره ألسنتنا وما توحيه أعيننا فحسب؟

أسئلة ألحت إجابتها أن تكون «نعم حقيقةً» نحن ما نخفيه، لاسيما أن جسد الإنسان هو الظاهر منه فقط بينما مكوناته الأخرى خفية لا ترى، فمن يرى عقله ومن يتعرف كنه روحه ومن يحكم على مشاعره ومن يدري بخلجات نفسه؟ لا أحد يجزم بذلك.

ومادام أن معظم مكونات هذا الإنسان خفية لا يدري بها إلا من فطرها، ومادام أن هذا الإنسان محكومة تصرفاته وسلوكياته الظاهرة وردود أفعاله بوحي من مكوناته الخفية التي لا تُرى والتي يمكنها توجيهه وتسييره وفق أوامرها، فكيف نحكم على أن ما يصدره هذا الجسد يعكس حقيقة شخصيته وأنه هو من نراه ونسمعه؟.

إنه أسير أبعاد حددتها مكوناته الخفية وقادته إليها وفق المكان والزمان والحالة التي اختارتها له وبموجب الضوابط التي سمحت له بترجمتها إلى سلوك أو أقوال أو انفعالات، وبالصورة التي تريدها وغالبًا ما تكون مصطنعة وغير حقيقية.

‎ورغم ما بذله علماء النفس وعلماء نفس الإدارة والمهتمون بدراسة الشخصية من جهود في تحديد حقيقة الشخصية التي يتعاملون معها، لاسيما في تبصُّر الجوانب الخفية وغير الظاهرة منها، إلا أنها تبقى جهودًا قاصرة عن الكشف عن كثير من الجوانب الخفية في شخصيات البشر لنبقى «نحن ما نخفيه».

معجب الزهراني

د.معجب الزهراني، تربوي واكاديمي سعودي، عمل مديراً لتعليم ينبع, ومستشاراً ومديراً لمركز التميز بتعليم جدة مهتم بالقيادة والتميز المؤسسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق