برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

النفخ بالذات!

يعتني بذاته حد اللامعقول، ينفخ بها على نحو عجيب، يحاول أن يكون رهيبًا، وباهرًا، وذا صفات نادرة، وقدرات خارقة، ويستميت في أن يقنع الآخرين بأن عنده فهمًا ودراية وعلمًا وثقافة وإلمامًا بالأشياء كلها، ما همه أن زيف الكلام، أو ظلل في الحقائق، أو بالغ في السرد، أو تعمد الكذب.

إن عملية نفخ الذات عنده من الأمور المهمة، حتى في اللبس والمركب والجلوس والسلام وطريقة إلقاء الكلام، أبدًا «كالهّرِ يحكي انتفاخًا صَولةَ الأسدِ»، يحاول أن يحمل الآخرين الاعتقاد بأنه سيد الموقف، وسيد الحضور، وسيد الفهم، وسيد الطرح والتنظير، «يلعلع» هنا وهناك، يصطنع الكذب، ويضحك على الذقون، يمثل وينافق ويخادع، يمدح من لا يستحق المدح، ويذم من لا يستحق الذم، يرفع هذا، ويسقط ذاك، يرسم ويخطط بخبث.

هذه هي بضاعته، رديئة واهنة وسقيمة، لكنه يحاول تسويقها عبر دعاية رخيصة باهتة، وهو الكسيح علميًا وثقافيًا، لكنه يريد أن تسبق اسمه الألقاب الكبيرة، والعبارات الضخمة، العقلاء وحدهم لا يصدقونه، ولا يهتمون به، السذج هم من يصدقونه، ويحلفون له بأنه الفذ الذي لا يشبهه أحد، انتهازي، لا هم له سوى مصلحة نفسه، يلهث وراء المكاسب والامتيازات والعطاءات، من أجل ذلك يفقد رشده، ويورد نفسه موارد الهوان، ما عنده كرامة كي تمنعه من أن يكون عنصرًا رخيصًا في سوق التملق والتسلق، ضميره ميت، ولسانه مأجور، ومواهبه عديمة، لديه طمع وجشع، وحب استحواذ، وما عنده خجل ولا وجل ولا وخز ضمير.

لقد ابتلينا بالعديد من هؤلاء الحمقى، الذين لا مبادئ لهم ولا ضمير ولا ذمة، تجردوا من قواعد الأخلاق، ورموا لباس المروءة والحشمة والعفاف، وتنكروا للقيم والثوابت الإنسانية، لا يعترفون بالزاد والملح، ولا للأيادي البيضاء، ولا المواقف النبيلة، ويجحدون المعروف، وينكرون الموقف، ويصفقون للبهتان والباطل، ويزورون الحقائق، أصيبوا في أخلاقهم، وعلاقاتهم الإنسانية فيها عطب.

إنهم يحسبون أنفسهم أذكياء ودهاة، ولا يدرون أن الناس قد اتسع فهمهم ومفاهيمهم، فطنتهم وعلمهم، وصار إدراكهم عاليًا، ونظرتهم ثاقبة، ويميزون بين الطيب والرديء، ويعرفون الصادق من الكاذب، فاتقوا الله أيها النافخون بالذات، واحسبوا لليوم الأخير حسابًا.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق