برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فوانيس

إضاءات على طريق الكتابة العلاجية

بما أن الكتابة تعد عملًا متفردًا وأيقونة أدبية في غاية الحساسية والجمال، إلا أنه يشوبها الكثير من الغموض والالتباس فيما يتعلق بعلاقتها مع بعض مظاهر الاضطراب النفسي والذهني، الذي قد يتطور إلى مرتبة الأمراض الذهانية، والتي ارتبطت بسيَر العديد من الكُتاب منذ زمن.

وظل السؤال الأزلي المطروح بكثرة عن حقيقة احتياج العقول المبدعة لجرعة من عدم التوازن الذهني والاستقرار العاطفي: لزيادة الإنتاج الإبداعي أم أنها حقيقة غير ثابتة؟ والأسلم ألا نقطع بفكرة الاضطراب الذهني المصاحب للعملية الإبداعية، وليس غريبًا أن تتوارد فكرة المبدع المجنون في كتابات العديد من الكُتاب – وبخاصة المبتدئين منهم – فيتناولون الكتابة بنوع من الإغراق في التفاصيل والميلودرامية غير المتوازنة، لدعم قضية التأثير السريع، وجلب نوع من الأسى والتعاطف من قبل الآخرين، وهذا يعتبر نوعًا حديثًا من أنواع صناعة الجماهيرية الحديثة.

لا نختلف بأن الكُتاب كائنات شديدة الحساسية من الآخرين، فهم أكثر انتقادًا لذواتهم، قد يقودهم هذا الانتقاد المستمر لحالة من العقد والتذمر الذي يعيق الاندفاع نحو الإبداع ويعيث في رأسه بطريقة مفرطة لا يقوى على التعايش مع أي شكل من أشكال الإنجاز.

التقليل من شأن مواهبنا الإبداعية وقدراتنا الكتابية تكون لها سطوة تدميرية، كما حدث مع «فيرجينيا وولف» في رسالتها التي كتبتها قبل انتحارها حين حطت من قدراتها الكتابية في السطور الأخيرة، ومخيف جدًا حين تكون الكتابة هي الداء والدواء.

«سالنجر» صرح ذات مرة أنه يحتاج ساعة من الكتابة ليصبح بعدها صادقًا مع نفسه.

الكُتاب يعانون وهنًا شديدًا وحالات من الخوف والقلق وتصارع الأفكار والرغبات، ويتأرجحون ما بين ما يدور في رؤوسهم من أفكار وما بين السفر والذهاب بعيدًا في رحلة استقصاء اللاوعي للنفس البشرية.

من المؤكد أن عملية الخوض في الكتابة عملية شاقة ومرعبة في الوقت ذاته، لأن عملية الغوص في طبقات اللاوعي واستجلاب الخبايا الدفينة فيها نوع من التعرية التي تهدد الشخصيات الحساسة هذه، وهذا ما يجعلهم مترددين في أعماقهم ويزيد من نسبة اضطرابهم وقلقهم نحو مخاوفهم العميقة.

وأظن أن «نيلسون مانديلا» كان دقيقًا للغاية عندما قال: إن أعظم مخاوفنا تنشأ من مواجهة النور الكامن في أعماقنا.

على الكاتب أن يدرك أن مخاوفه دليل إنسانيته وليست مظهرًا لعدم كفاءته، وأنه ليس ثمة حياة بشرية من غير شروخ، وأتذكر جيدًا ليونارد كوهين – مغني وشاعر ورائي كندي – فبعد أن أدّى «كوهين» عرضًا ساحرًا وهو على أعتاب الثمانين من عمره ختم عرضه بهذه الكلمات المضيئة «انسوا فكرة الهبة الكاملة، فثمة شرخ ما دومًا، شرخ في كل شيء، فتلك هي الوسيلة لكي يلج الضوء المناطق المعتمة، شكرًا لكم».

فوزية الشنبري

فوزية حسين عمر الشنبري، بكالوريوس كيمياء من جامعة أم القرى، كاتبة قصة، فازت روايتها «لعبة نزقة» في مبادرة إنثيال، نشرت مقالاتها في عدد من الصحف السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق