برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

مت خالدًا

في مرحلة صباي وقفت أمام مرآتي أنظر لنفسي بإعجاب، وإذا بأبي يلتقط تلك النظرة ليوجهني من خلالها، قائلا: أي بنية، ما يجملك طيب أثرك إنما تكمن قيمتك الحقيقية فيما تبقينه من طيب الذكر، وليس فيما تطيلينه في النظر، نعم كبرنا وعركتنا التجارب وتعلمنا من الأموات أكثر مما تعلمناه من الأحياء، تعلمنا كيف علينا أن نعمل شيئًا يستحق الخلود الأبدي، فالبقاء الحقيقي بقاء شيء يستحق الذكر، «قد مات قوم وما ماتت مآثرهم … وعاش قوم وهم في الناس أموات».

لا ينكر أحد منا جمال العلاقات الإنسانية القائمة على اللقاءات والتفاعلات، ولكن المكسب الحقيقي لبني الإنسان أن يقيم من خلالها ميلاد ذكره الخالد عند لحظة موته، هنا يذوب القناع وتبرز حقيقة قيمته، إنها لحظة عجيبة، فهنيئًا لمن تلهج الألسنة بذكره وعمله الطيب، بعد أن تسقط ورقته من غصن الحياة، وهي صادقة نقية خالصة من المجاملة والمراءاة.

إن الذين يموتون وهم مكتنزون بمعارفهم وميزاتهم لا يمنحونها لأحد إلا تقتيرًا يموتون وهم الأكثر فقرًا فلا ذكرًا في الدنيا، ولا أجرًا في الآخرة، فهو لا يؤدي زكاة علمه ولا يتفاعل بإنسانية، لذا لا يربو ذكره، وكيف يزهر زرع لم يسق بالعطاء؟ فزكاة العلم نشره، أما الباكون عليهم لا يتجاوزون أواصر الصلة إن لم يلطخها بقطيعة أو سوء خلق، والوارث الوحيد لكنوزهم هي مقابرهم فقط كما ذكر «تود هنري» في كتابه «مت فارغا»، بينما الذين يموتون وهم هزيلون مما حباهم الله أعطوا كل ما لديهم من معارف وتجارب حسية ومعنوية فهم الأغنى، فقد بقيت سيرتهم الثمينة خالدة تقوم بدورها الفاعل على مر الأزمنة والعصور، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»،  وحتى في قبره يأتيه رجل حسن الثياب، فيقول، له أبشر بما يسرك، فيقول له: من أنت؟، فيقول: أنا عملك الصالح.

إن كلا منا يملك الكثير من الخير في شكل كلمة طيبة، موقف تفاعل، إغاثة ملهوف، تعليم، تدريب، دعم، لم نموت ونحن نحمل كل هذا الخير لندفنه معنا في التراب؟، لم لا نمنحه لمن هو بحاجة إليه؟، إنها دعوة صادقة من القلب: أن نموت خفافًا في القبور ثقالًا في أثر محمود، ورضا للرب المعبود، فليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء.

وفي المقابل «ارفع لنفسك بعد موتك ذكرها … فالذكر للإنسان عمر ثان».

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق