برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

تأملات في رمي الجمرات

لو أن شعيرة رمي الجمار كانت طقسًا بوذيًا، أو ممارسة وثنية، أو بعضًا من تقاليد شعب بدائي في ركن قصي من اﻷرض، أو بقية ميراث ديانة مندثرة من ديانات أهل الشرق أو الغرب، لو كانت كذلك، لكان لها من الحفاوة والاهتمام عند اﻷدباء والمثقفين العرب شيئًا يفوق الوصف، ولكانت على الدوام رمزًا وافر الحضور في نتاجهم، ولتباروا في استدعائها وتوظيفها فيما يكتبون، ولجعلوها قرينة الخلاص والتطهر والنصر، ولقالوا عجبًا في توظيف دلالات اﻷحجار السبعة والرمي وبقية تفاصيل تلك الشعيرة.

ولربما شد بعضهم الرحال إليها، يلتقط الصور إلى جوارها كدأبهم حين يتعلق اﻷمر بتمثال هنا أو نصب هناك، فضلا عما يلقى إليهم من وحي الكتابة جوار تلك الرموز.

إلا أن مرجعية رمي الجمرات، وكونها ضمن شعائر ركن من أركان الإسلام، تجعلها بمعزل عن ذلك كله لديهم، على اعتبار أن أكثرهم بين مهزوم حين يتعلق اﻷمر بهويته، أو مأزوم تجاه تلك الهوية.

وﻷجل ذلك، وعلى الرغم من الرمزية العالية لهذه الشعيرة بالذات بين شعائر الحج، وعمق الإيحاء الذي تجسده، وكثافة الدلالات فيها، وقابليتها العالية للتوظيف الإبداعي، إلا أننا لا نكاد نعثر على شيء من ذلك في سائر المنجز الإبداعي العربي، لا عن جهل بها لدى أدبائنا – وهم أهدى من القطا بمثل تلك الرموز والدلالات في ديانات اﻷرض كلها – ولكن ﻷن جمرة العقبة عندهم لا تماثل مألوف الرموز التي يلوكها نتاجهم الإبداعي المحتشد دوما بـ«عشتار» و«تموز» وبقية الرموز، بل إن منهم من يغمز ويلمز ويسخر من تلك الشعائر – كما اعتدنا أن تطالعنا به صفحات وكتابات طيف منهم في مثل هذه اﻷيام – على اعتبار أن عمق الوعي والتحضر لديهم لا يتقبل فكرة الطواف حول حجر، أو تقبيل حجر، أو رمي حجر بحجر، مع أن ذلك الوعي هو ذاته الذي يستحضر كل معاني الانفتاح والتسامح حين يتعلق اﻷمر بصنم هنا أو وثن هناك.

والمؤكد حتما أن هذه الشعائر لو قدر لها الذيوع بين أدباء العالم سوى المسلمين والعرب، فستكون محل اهتمام واستدعاء وتوظيف وتأمل ضارب في العمق، أو على اﻷقل لن تكون محل سخرية أو انتقاص لدى أصحاب الوعي الحقيقي منهم، في سلوك مناقض ومغاير لواقع كثير من المثقفين واﻷدباء العرب الذين يراوح سلوكهم في مثل هذه الحال بين لوثات الكراهية، وتأزمات الهزيمة.

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق