برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

حول خطبة الجمعة

‏في موقع الشيخ ابن باز – رحمه الله – سئل عن شروط خطيب الجمعة، وكان هذا رده: أن يكون ذا علم، ويستطيع أن يسمع الناس الخطبة، ويكون لها أثر في وعيهم وتذكيرهم، ينبغي أولا لابد من كونه مسلمًا، هذا لابد منه، الصلاة بغير مسلم لا تصح، وإذا كان عدلًا كان هو الأولى، وفي عدالته خلاف، لكن كونه عدلًا معروفًا بالخير هذا الذي ينبغي حتى تقبل موعظته وحتى تؤثر، وأن يكون من أهل العلم والبصيرة فيما أوكل إليه، وكل هذا مطلوب في الخطيب، أما كونه مسلمًا فهذا شرط، وجماعة من أهل العلم يقولون لابد أن يكون عدلًا أيضًا شرط، ولكن الصواب أنه ليس بشرط، لو خطب وهو عاصٍ صحت الخطبة إذا كان مسلمًا، كما كان الأمراء، كثير من الأمراء يخطبون بالناس وهم عصاة تصح صلاة الجمعة معهم.

‏فالشروط باختصار هي أن يكون ‏مسلمًا ذا علم فيما سيقوله، ذا تأثير.

**

‏العالم اليوم يسير نحو التخصص، وتسير أحداثه ومستجداته في كل جانب حياتي نحو التسارع، ‏والمسلمون قد آتاهم رب العزة فرصة عظيمة للتوعية الأسبوعية، وهي خطبة الجمعة، ‏فلماذا مثلا لا يسند عند حصول نازلة صحية – مثلا – أمر خطبة الجمعة للأطباء ليخطبوا في الناس سبل الوقاية وما شابه ذلك؟، ‏أو – مثلا – عند المواسم الخاصة كمواسم الاختبارات، أن تسند الخطبة لمختصين تربويين، يشرحون أفضل سبل التعامل مع الأبناء.

‏وحتى بدون نوازل أو مواسم، لماذا لا تستغل الخطب للتوعية الثقافية من مختصين، كلٌ في مجاله! ‏ثم تختم في الخطبة الثانية بكلمات وعظ ديني هادئة تذكّر الناس ببعض ما قد أهملوه أو قصروا فيه من الفرائض الشرعية، أو ترقق قلوبهم لذكر الله، فكل علم له أصوله، فلا يعقل أن يتوسع خطيب مسجد دراسته العلوم الشرعية، في الحديث عن السياسة الداخلية أو الخارجية والعلاقات الدولية! أو في الطب وما شابه، ويبدي تنظيره فيها، فيشكِل على الناس رأيه الشخصي، ويظنونه فتوى، فيؤدي ذلك لخلط الأمور، أو لإشاعة الفتنة والتأليب على قرارات الدولة.

‏فالفتوى لها صوتها المحدد، ومن شروطها أساسًا أن يكون مفتيها عالمًا متعمقًا مجتهدًا في الموضوع الذي يفتي فيه، ‏فما يقوم به بعض الخطباء من إثارة أمور وخلافات مذهبية، مدفونة في باطن الكتب، لإضفاء نوع من الإثارة في خطبهم، فهو أمر غير مقبول، لما في ذلك من تهييج العداوات والنعرات بين العامة، ‏ويزداد قبح هذه الممارسة عندما ترتبط بزعم احتكار الحق المطلق، وتخطئة الآخر، وعدم رد الاختلاف لعالم الحق وحده «عز وجل».

‏فمعلوم أن الإجماع الشرعي محدود جدًا، وهو محصور فيما ورد فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، وحسبما ‏يقول الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فقد كذب» ورغم يقين الشرعيين – المفترض – بخرافية الإجماع على ما لم يرد متواترًا تواترًا عمليًا، أو ما لم يأت بنص صحيح صريح غير قابل للتأويل، رغم ذلك تجد بعضهم يهمّش وقد يلغي الاختلافات الفقهية، وينكر تعدد الآراء الشرعية حول الشؤون الحياتية، فيعمد لإقصاء بل ونفي الآراء المخالفة والتشنيع عليها، وكأنه موحى إليه بقول الله فيها، ويصاحب ذلك اتهام كل مخالف بكل نقيصة وبألفاظ نابية ينأى عنها ذو الخلق والمروءة.

‏ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، فهو القائل «أنتم أعلم بأمور دنياكم» حين استُفتي في غير أمر ديني، وكان يتخول الناس بالموعظة – أي يختار لها وقتها المناسب – وكانت كلماته وعظه – عليه السلام – معدودة يحفظها السامع، ‏والعالم الآن يسعى لتقبل التعدد الثقافي بأشكاله، فمن المعيب أن يظهر المنبر الإسلامي بشكل يقل علمًا أو رقيًا وإنسانية عن الآخر، وبشكل يخالف الهدي الرباني كما جاء في الآية «ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»، «125 النحل».

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق