برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
هيجَنة

قصتي مع التطبيع

قد يوحي العنوان أنني أكتب هذه المقالة من «أورشليم»، وأنني سأستلم المكافأة لنشرها بـ«الشيكل»، وبالطبع أنا مُدان بالاعتذار لكل من أوحت له المقالة بهذا الإيحاء القبيح المؤذي للإنسان السوي، السوي فقط.

أما قصّة هذه المقالة فأتت من باب أن لكل إنسان في هذه الدنيا قصّة تستحق أن تُروى، فالقصة حدثت أثناء ضجيج جماعة من العرب بينهم سعودي لدولة الكيان الصهيوني، كان اللغط حينها: هل الشخص ذو الهيئة والملامح والهندام السعودي هو سعودي فعلًا أم أنها من ألعاب الصهاينة القذرة التي نتفق جميعًا بأنهم يتفوقون فيها على بقية أمم الأرض؟.

كنت حينها مع أحد الأصدقاء ولا حظ ترددي بالحكم على جنسية الرجل الذي يدّعي أنه سعودي، فصدمني صاحبي بأنه سعودي فعلاً، وكي يقنعني أكثر سرد على اسمين آخرين وصلتهما الدعوة مع هذا الذي ذهب، لكن الاثنين «سعوديان طبعا» تحفّظا على توقيت الزيارة للكيان الصهيوني – تحفظ على التوقيت فقط لكنهما مع التطبيع – والصدمة أن أحد الشخصين ممن تربطني به علاقة «إعلامية» لا تبتعد كثيرًا عن حدود «الواتساب».

لهذا تواصلت فورًا مع الشخص وسألته عن حقيقة الدعوة، كنت أتوقع ردة فعل ساخرة أو نافية حادة، لكن الجواب لم يأتِ كما توقعت، لكنه بإصرار يريد أن يعرف كيف وصلني الخبر، حاولت أن أوضح له أن هذا ليس مهمًا لكنني فقط أود أن أعرف: هل فعلًا أتته دعوة من الكيان الصهيوني للزيارة؟، أصر على معرفة من نقل لي الخبر، وقتها لجأت لحيلة الصحفيين عندما يرددون: «مصادري الخاصة ومجبر مهنيًا بعدم كشفها».

لكن ردة الفعل من صاحبي أتت غاضبة إذ رد بحدة: هل تتباهى بقوة مصادرك، و«من الأخير» ماذا تريد؟ فقلت: أريد أن أسافر معك لـ«أورشليم»؟، قال: إن أرادوا أن يدعوك سيتواصلون معك؟ قلت: من؟ قال: الذين أرسلوا لي الدعوة «وزارة الخارجية الصهيونية» – للأمانة هو لم يقل الصهيونية – ثم انتهى الحوار دون أي دعاء من أي نوع، علمت بعد ذلك أن هذا الصديق «صفّى» علاقته بأكثر من صديق يعتقد أنهم هم من وشوا لي بالخبر، ولا أدري لماذا غضب رغم أنه مؤمن أن التطبيع شيء نبيل وإنساني.

لا مشكلة لدي مع الذين يؤيدون التطبيع – أنا هنا لستُ صادقًا تمامًا – لكنني ضد التزييف ومحاولة الكذب لإقناع نفسك بأنك مؤمن بمبدئك، فقول إن إسرائيل لم تعادينا مثلًا، وهذا القول غير صحيح، فهناك دماء 155 سعوديًا قتلهم الصهاينة في فلسطين، والأكثر سخرية هو قول البعض إن الفلسطينيين مارسوا أنواع البذاءة بحقنا، لهذا فالصهاينة على حق، هذا القول الساذج يقول من طريقة كلامك وأسلوبك أحدد حقك، إن رضيت عنك فأنت صاحب حق، وإن أغضبتني إذ إن الصهيوني المحتل هو صاحب الحق، ومن السهل نسف بقية الحجج التي يتمترس خلفها من يرهنون على ذاكرة جيل لا يعرف تفاصيل احتلال فلسطين من قبل الصهاينة.

ولأنني تجاوزت المساحة بأكثر مما ينبغي، فإنني سأستأذن «عبدالوهاب العريض» بأن أختم بتغريدة لصديقه شافي الوسعان إذا يختصر هذا الضجيج بسطرين: «كل قضية لا أخلاقية مهما بدت سخيفة في نظر الأغلبية، فمن الممكن تسويقها عندما تمر بثلاث مراحل، تكون في البدايات مقززة بشكل لا يصدق، ثم تغدو وجهة نظر سخيفة يتبناها التافهون والوصوليون والأدعياء، ثم تتوسع الدائرة بفعل تزييف الوعي إلى أن ينتهي الحال بتقبّلها..».

فهيد العديم

بكالوريوس اجتماع، صدر له كتابان "أشلاء أخري" و "الحقيقة وحيدة في الكازينو"، كتب في عدد من الصحف الورقية منها الشرق ومكة والوطن والرياض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق