برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

الدوري في الملعب

أتذكر جيدًا في مراهقتي كيف دفنت رأسي في كومة من الثياب وانفجرتُ باكيًا، بسبب إهدار محترفٍ أجنبي لركلة جزاء طوحت بآمال فريقي الذي أشجعه.

كان الأمر بالنسبة لي أكثر من مجرد ركلة مهدرة، فهو يعني سخرية معارفي مني ومن الفريق وسيل مهاترات لا تنتهي، حمدًا لله فلم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعدُ وإلا لامتدّ الصداع إلى مجموعات «واتساب» وتغريدات «تويتر».

بعد عدة أيام وقعت عيناي على مانشيت صحفي يفيد بتجديد عقد المحترف إياه بمبلغ وقدره! وهكذا طار المحترف بالملايين وغرقتُ أنا في بحر الدموع والخيبة، قررت منذ ذلك اليوم تطليق التعصب الأعمى بالثلاث.

قبل بضعة أيام انطلقت الجولة الأولى من الدوري السعودي للمحترفين وعاد محترفونا للركض، رحلة جديدة من الإثارة والمتعة، أنديتنا المحلية تدخل الدوري لأول مرة بـ16 رئيسًا منتخبًا، وبملاءة مالية مميزة بأكثر من 1.6 مليار ريال، وفقًا لاستراتيجية دعم الأندية التي وجه بتقديمها سمو ولي العهد «حفظه الله».

نحن أمام عملٍ جبار، وُجد ليكون متنفسًا للأسرة السعودية وربما الخليجية والعربية، لكن أوصافًا رددها طفلي الصغير أزعجتني وجعلتني أعود بالذاكرة للركلة المهدرة وكومة الثياب والمانشيت! مفردات تنبزُ هذا النادي وتسخر من ذاك، وحين سألته عن مصدرها عرفت أنه التقطها من تعليقات الجماهير المتعصبة في منصة «يوتيوب»!.

إليك الدرس الأول يا صغيري، إذا أردت الاستمتاع باللعبة الأكثر جماهيرية فأدر ظهرك للتعصب والمتعصبين، نريد تنافسًا شريفًا داخل المستطيل الأخضر ثم يصافح بعضنا بعضًا عند صافرة النهاية، فهذه المستديرة الساحرة لغة الشعوب، وُجدت لتقربنا لا لتفرقنا، ولتثير شغفنا لا لتزيد مبيعات عقاقير ضغط الدم وداء السكري.

على كاهل الأسرة دورٌ كبير في محاربة التعصب الرياضي، وعلى كاهل الإعلام دورٌ أكبر، تمنيتُ لو أنني شاهدت صور اللاعبين على امتداد الشوارع وبطول المباني، بدلًا من صور المحللين الرياضيين الذين نتمنى منهم أن يخلعوا عباءة الميول وينصفوا المنتج النهائي حتى لو تقاطع مع ألوان أنديتهم، نريد الدوري في الملعب، لا في الهاشتاقات والشاشات، وكل جولة ونحنُ بلا تعصب.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق