برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

موت المعلم

على طريقة موت المؤلف، وموت القارئ، وموت الناقد، وبقية الجثث التي صدرها نقاد الأدب إلى القبور، يمكن القول إن الزمن القادم سيكون زمن «موت المعلم»، ولا أتحدث هنا عن الموت بمفهومه التلقائي، مثلما أن المقصود ليس انحسار دور المعلم أمام سطوة وسائل ووسائط التقنية والمعلوماتية الحديثة، إنما الذي أعنيه تحديدًا، تلك الخصوصية التي اتسمت بها مهنة التعليم في المجتمع المحلي طوال عقود مضت، والاندثار المتسارع الذي تشهده تلك الخصوصية، والذي يمكن معه أن نتحدث موت غير رحيم يترصد المعلم والتعليم.

ولمقاربة مفهوم تلك الخصوصية، نتذكر أولًا أن مهنة التعليم ماتزال الأكثر رواجًا في المجتمع السعودي، ويعود ذلك إلى جملة أسباب ترتبط بالوفرة المادية، والاستقرار الوظيفي، إلى جانب ما يمكن أن نسميه هنا قصور الوعي الوظيفي لدى كثير من خريجي الجامعات والباحثين عن فرص عمل، وهو القصور الذي كان إلى وقت قريب يحصر فرص العمل في مجالين اثنين فقط، العمل في التعليم، أو السلك العسكري، ولذلك بطبيعة الحال أسبابه التي ليس هنا مقام الإفاضة فيها.

وإلى ما قبل ربع قرن من السنين تقريبًا، كان ذلك الرواج لمهنة التعليم والإقبال عليها يأتي مصحوبًا بكثير من التقدير الاجتماعي لهذه المهنة وشاغليها، إلى جانب التقدير الرسمي المتمثل في استقرار العلاقة والثقة المتبادلة بين المعلم ومرجعه الوظيفي المتمثل في «الوزارة» على اختلاف مسمياتها التي تنوعت خلال ربع قرن، بين وزارة المعارف، ثم وزارة التربية والتعليم، ثم وزارة التعليم.

إلا أن التحولات الكبيرة والتغيرات الهائلة التي مر بها المجتمع خلال السنوات الماضية، ولأسباب متنوعة، أسهمت في ضرب ذلك الواقع التعليمي المستقر و«المتطامن» إلى ذاته وعلائقه بمحيطه، وأسهمت في خلخلة صورة المعلم على نحو غير مسبوق، وألقت ظلالًا ثقيلة فوق جسور الثقة والاحترام بين المعلم والمجتمع من ناحية، والمعلم وكيانه الوظيفي من جهة أخرى، وانتهى الأمر بحشود المعلمين الذين كانوا يتسابقون يومًا لنيل موقع في أفق الوظيفة المرموقة الرائجة، مرابطين في وسم «العلاوة – السنوية» في «تويتر»، وهو الخندق الذي يحاولون من خلاله النضال بكلماتهم علها تصافح في أفئدة المسؤولين في «الوزارة» رقة، فيعدلون عن بعض ما ورد في لائحة التعليم الجديدة، التي أضافت مسمارًا جديدًا وربما أخيرًا في نعش المهنة التي كانت ذات يوم الطموح والأمل!.

من هنا لا يخالج المتابع الحصيف شك أن زمن المعلم آفل لا محالة، والزمن القادم زمن موت المعلم، وإذ يموت المعلم على هذا النحو الحزين الذي لا يكترث له أحد، فإن أصدق ما يقال في رثائه «إن موته كان إثمًا عظيمًا»، توزعه المجتمع، وتخبط القرار الإداري في الجهة الوظيفية، ومحاولة استزراع نظريات وأفكار تربوية في غير بيئاتها ومحاضنها، وافتراض أن خرافة «السوبر مان» تكون أيسر الواقع وأبسطه حين يتعلق الأمر بالمعلم، وإن كان هذا الرجل السوبر يعمل في بيئات لا تتوفر فيها أحيانًا أبسط مقومات عيش البشر «مكيف، دورة مياه، …»، وحالة العمى العمومي الذي يرشق فيه المعلم كل لحظة بتهمة من نوافذ صدئة في الصحافة والإعلام، ممن لا يبصرون أي غد يترصد مجتمعًا أهون من فيه معلموه.

إن هذه الحالة من الاحتضار، والغرغرة الطويلة للمعلم، التي يتردد صداها كل لحظة في مواقع التواصل ووسائل الاتصال، لا تنسجم أبدًا مع الخطى التي يتقدم بها المجتمع الناهض نحو غده ورؤيته، والبنيان لا يبلغ تمامه وقد تهدم فيه سوره وحائطه الذي يحرس قيمه ومكتسباته المعرفية والثقافية والأخلاقية، ويحول دون زهوق الروح والوداع الأخير، مراجعة سريعة لواقع الحال، وتصحيح لأوضاع المعلم، قبل موت المعلم!.

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق