برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

التطرف في نقد المعلمين!

لا صوت يعلو فوق صوت نقد التعليم في السعودية، لدرجة أن المرء يشعر حين يُثار النقاش حول التعليم ومخرجاته، أن الآراء من شدة تطرفها تكاد تتشابك مثلما تتشابك أيدي المتخاصمين في نقاش بيزنطي صاخب، والتطرف في كل الأمور غير محمود لأنه يجنح بالآراء بعيدًا عن الموضوعية والتي هي أساس النقاشات المثمرة.

في رأييَ أن أكبر العقبات التي تحد من تطور التعليم ليست عقبة طارئة في مسيرته، بل هي ممتدة منذ أن فُتحت أبواب الالتحاق في مهنة التدريس على مصراعيها دون وجود ضوابط يخضع لها المتقدمون للمهنة، فالحصول على المؤهل كان كافيًا أن يتحول العاطل إلى معلم، وفي هذا استنقاص لمهنة التدريس التي لا يختلف اثنان على أنها بوابة التكوين المعرفي لأجيال المستقبل.

أدرك أن ظروف تزايد أعداد الطلاب والمدارس في مراحل سابقة حتمت على وزارة التعليم التقيد بالحد الأدنى من معايير القبول، كي تعالج العجز الهائل في أعداد المعلمين، لكن هذا لا يعفيها من مسؤولية عدم خلق بيئة تعليمية جاذبة تأخذ بأيديهم وتنمي إمكاناتهم، كل بحسب اختصاصه.

وفي هذا السياق تحضرني مقولة وزير التعليم السابق محمد الرشيد – رحمه الله – حيث قال: «إن مهنة التعليم أصبحت مهنة من لا مهنة له» وهو بذلك أراد أن يقول: إن «الوزارة» اضطرت أمام تزايد أعداد الخريجين في مهنة التدريس أن تفتح أبوابها على مضض لاستيعابهم، خاصة وأنهم يشكلون النسبة الأعلى من خريجي الكليات والجامعات، ناهيك عن قبول خريجين من تخصصات لا تمت لمهنة التدريس بأية صلة,

وسبب هذا الإقبال الكبير على مهنة التدريس، يكمن في المقام الأول في عدم وجود خيارات أخرى تضمن حصولهم على الوظيفة بعد التخرج مباشرة، كما تضمنها لهم مهنة التدريس.

التعليم -يا سادة- ليس مجرد نظريات مثالية نستوردها من الشرق والغرب بل هو منظومة متكاملة تعتمد على توازن أركانها من الداخل، بحيث تظهر أهمية الأدوار من أسفل الهرم إلى أعلاه، ولا يصح أن نلقي بكامل المسؤولية على المعلم في تردي مخرجات التعليم، ونتجاهل جهود المتميزين منهم وأفضال الآلاف من المعلمين الذين تجلت فيهم النزعة الإنسانية في أجمل صورها تجاه تلاميذهم من أبناء الشهداء والفقراء.

وفي هذا الجانب هناك مئات القصص والحكايات التي اطلعت على بعض منها، تبرهن على أن بيئة التعليم لدينا زاخرة بنماذج إنسانية راقية.

إن التطرف في النقد وصب جام الغضب على المعلم وكأنه هو من يقرر سياسة التعليم في بلادنا، يظهر مدى جهل البعض في دور المعلم الذي هو جزء من منظومة متعددة المهام والاختصاصات، لذلك هو ضحية للبيئة التي لم توفر له سبل النجاح، بدءًا من مراحل التكوين المعرفي أثناء دراسته وانتهاءً بغياب الحوافز للمثابرين والمجتهدين منهم في ميدان التعليم.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق