برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

ليست حرب «ابن سلمان» وحده

ساذج جدًا من اعتقد أن جملة ولي العهد محمد بن سلمان الشهيرة حول التصدي للصحوة «سندمرهم وفورًا»، كانت جملة عادية أو أنها مرت مرور الكرام.

تلك الجملة التي تلقفها الشعب السعودي في غالبه بالسعادة، فهي إيذانٌ بكسر كثير من القيود التي ما أنزل الله بها من سلطان عليهم، تلك الجملة هي نفسها وما تبعها من أفعال تؤكد عليها، تلقفها أعداء الوطن بكثير من الحقد والعدوانية، لأنهم فهموا عمقها ومغزاها جيدًا.

**

ولنعود للقصة من أولها، في عام 1979 عندما استولى «الخميني» بثورته الداعية لولاية الفقيه على إيران، وكانت نظريته تتلخص في الدعوة لدولة دينية تؤمن بأن الولي الفقيه هو الأعلم من الناس بأنفسهم، وهو من يرسم طريقهم للنجاة في الدنيا والآخرة، رغم أن شعار المتظاهرين المؤيدين له: «استقلالية، حرية، جمهورية إسلامية».

كان المتظاهرون يأملون في «ديمقراطية إسلامية»، ولا أعلم حقًا كيف تكون «ديمقراطية» وهي تؤمن بالتبعية العمياء لولي الفقيه.

إذن هي حركة تزعم الرداء الإسلامي، بهدف الوصول للسلطة والحكم، كان من أول المهنئين لـ«الخميني» بل والداعمين له – آنذاك – الإخوان المسلمون.

يذكر القيادي الإخواني يوسف ندا، حيث شكل الإخوان وفدًا لزيارة «الخميني» في باريس لدعمه، وأن ثالث طائرة تهبط لإيران بعد طائرة «الخميني» بعد ثورته هي طائرة وفد الإخوان الذي قدم لإيران لتهنئة «الخميني» على قيام ثورته.

وقال عمر التلمساني: «حين قام الخميني بالثورة أيدناه ووقفنا بجانبه»، وقال القيادي عصام العريان: «إن جماعة الإخوان المسلمين أيدت الثورة الإسلامية في إيران منذ اندلاعها عام 1979م»، وقال راشد الغنوشي: «بنجاح الثورة في إيران يبدأ الإسلام دورة حضارية جديدة»، بل ذهب أبعد من ذلك حيث كتب مقالة بعنوان «الرسول ينتخب إيران للقيادة» وذكر فيها: أن إيران اليوم بقيادة آية الله «الخميني» القائد العظيم والمسلم المقدام هي المنتدبة لحمل راية الإسلام.

**

في تلك الفترة، كانت الثورة الخمينية ملهمة لكثير من المتأثرين بالنظرية الإخوانية في الحكم، فقامت حركة جهيمان حينها بمحاولة الثورة والانقلاب على الحكم، أيضًا باستعمال «الزي الإسلامي»، وقاموا بالاستيلاء على الحرم، وصاروا يبثون البيانات التحريضية عبر مكبرات الحرم.

ظن «جهيمان» وأتباعه أنهم باستيلائهم على الحرم المكي سيضمنون تعاطف العالم الإسلامي معهم، وسيحرجون الدولة عن محاولة ثنيهم وإيقافهم حيث هم يتحصنون ببيت الله الحرام.

وغاب عن بالهم أنهم بذلك إنما يستفزون مشاعر ملايين المسلمين ضدهم، حيث لن يقبل هؤلاء الملايين العبث ببيت الله وانتهاك حرمته عبر اتخاذه ذريعة لأهداف سياسية، وغفلوا عن كون حرمة دم المسلم أكبر من حرمة البيت الحرام نفسه، كما نص كتاب الله وأخبر عنه نبيه.

حينها أصدرت هيئة كبار العلماء فتوى بجواز اقتحام البيت الحرام لصد الباغين الخارجين، صيانةً لحرمة البيت وحرمة المصلين فيه، انفض هذا الموقف كله بقتل بعضهم والقبض على بعضهم الآخر ثم الحكم بإعدامه.

لكن هذا الحدث لم ينته إلى هنا، فقد كان له ظلال سيئة بقي بعض آثارها على شكل فكر الصحوة الذي وجد قبولًا لدى البعض، فكر الصحوة الذي كان في بداياته مجرد الحرص على تطبيق النهج الإسلامي وفق رؤية وتفسير واحد، ثم اتسع ليشمل تكفير ما عداه، واتسع بعدها ليشمل الدعوة لخلافة إسلامية.

ها نحن عدنا من جديد إلى نفس لب الثورة الخمينية «الوصول للحكم عبر زي إسلامي»، وها نحن عدنا من جديد لعمق فكر الإخوان المسلمين، العمل على الوصول للسلطة مهما كلف ذلك، عبر امتطاء الدين، بقيادة المرشد العام.

**

«الصحوة» هي امتداد للفكر الإخواني الثوري، هي لا تكتفي بالدعوة لتطبيق الشرع في سائر الحياة، وهذا أمر لا نختلف معها فيه، لكنها للأسف تحمل بذرة خبيثة هي: تكفير كل المجتمعات التي لا تبايع المرشد، واعتبار حكوماتها حكومات جاهلية يجب معاداتها وهدر دم كل من يتعاون معها.

وهذا ليس افتراء عليهم، فهو مدون في كتبهم وخاصة كتب سيد قطب، الذي كان لا يرى وجوب صلاة الجمعة على الفرد، كون المجتمع الذي يقيم فيه مجتمع جاهلي لا تقوم به جمعة، وكان يرى جواز أكل ذبيحة المسلمين رغم كفرهم في نظره، تقية ولأنه نزلهم منزلة أهل الكتاب.

«اشتراط مبايعة المرشد والانقياد له وتكفير كل مجتمع لا يؤمن بنظريتها» – هذا الشرط الذي يذكّرك بولاية الفقيه – هو الذي يدلك على كونها في الأساس فكرة سياسية تبتهل كل الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول للسلطة، وأفضل هذه الطرق في مجتمع متدين بالفطرة هو: التزيي بالزي الديني.

هذا الفكر الصحوي الذي بدأ في الانتشار بعد القضاء على حركة جهيمان، كان أول طرائقه للاستبداد بنفوس الناس وضمان تبعيتهم:

1: إنكار سعة الفقه الإسلامي ومحاولة فرض شكل واحد من التدين يقرونه هم «مع كل ما يؤدي إليه ذلك من بث للعداوات والنفرة بين الناس وتضييق عليهم».

2: تكفير قيم مهمة لا غنى لاستقرار المجتمع مثل «الوطنية»، فنسبوا هذه القيمة للجاهلية والكفر.

فكنت تجد ولاء «الصحوي» للمسلم الموافق لتوجهه وطريقة تدينه مهما كان جنسه، مقدمًا على ولائه لوطنه وشعبه وحكومته.

**

الآن نعود لجملة ولي العهد المجدد الأمير محمد بن سلمان، فهو حين توعد بتدمير تلك «الصحوة»، تلقف أعداء الوطن هذه الجملة وأدركوا فطنة الأمير ووعيه لسبب كثير من مشكلات الوطن، وأدركوا أن حربه معهم بذاتهم.

لذا كانت الحملات تلو الحملات في محاولة لاستهداف هذا الأمير، بطرق يتعلم منها الشيطان، ربما تناولتها في مقالات قادمة.

هي ليست حرب ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان وحده، بل هي حرب ولي العهد والشعب من خلفه على «الصحوة الغفوة»، ومَن خلف «الصحوة الغفوة».

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق