برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

ظاهرة الشهادات الوهمية

من الظواهر المقلقة في المجتمع، ظاهرة سهولة الحصول على الشهادات العلمية من الجامعات والمعاهد على السواء، حيث أصبحت من لوازم الوجاهة والتفاخر أمام الآخرين، بعد أن كان الحصول عليها يتطلب الكثير من المثابرة والتضحية والسهر.

لم أعد أستغرب عودة الآلاف ممن هجروا مقاعد الدراسة منذ سنوات طويلة، في ظل تحول بعض الجامعات إلى «دكاكين» تبيع الوهم إلى أولئك العائدين، الذين لم تسعفهم قدراتهم على التحصيل العلمي في أزمنتهم الغابرة.

هذه الظاهرة سيكون لها آثار مدمرة، خاصة حين تتساوى فرص هؤلاء المزيفين مع أصحاب الشهادات الحقيقية في مجالات التوظيف، الأمر الذي سينعكس حتمًا على مستوى الخدمات التي تقدمها القطاعات المختلفة، لأنه من البديهي أن المزيفين لن يكون لديهم الحد الأدنى من متطلبات شغل الوظائف، بل إنه ليس بمستغرب أن من يحصل على الشهادة بمثل هذه الطرق الملتوية سينظر إلى أن الخلاص والتفاني في العمل من سمات الأغبياء والسذج، طالما أنه استطاع أن يحصل على الوظيفة دون أن يبذل جهدًا علميًا يشفع له في شغل وظيفته.

لقد كان مفهوم الكفاح في السابق يحمل في مضامينه الكثير من التضحيات والصعوبات التي لا يقدم عليها إلا أصحاب الهمم العالية، فأول ما يتبادر إلى ذهنك حين تسمع كلمة «كفاح» أولئك الأشخاص الذين حفروا أسماءهم في الذاكرة الجمعية للمجتمع، رغم شظف العيش وقلة الإمكانات، إلى أن أصبحوا أيقونات مضيئة في دروب النجاح والتحدي، يتطلع الكثير إلى محاكاة تجاربهم وقصصهم الملهمة.

أما في واقعنا المعاصر، فلا تستغرب أن يحدثك رواد المقاهي والاستراحات عن قصص كفاحهم ومثابرتهم رغم أنهم يقضون نصف يومهم متنقلين من المقاهي إلى الاستراحات، متكبدين عناء الزحام في شوارعنا المكتظة بأرتال السيارات، إلا أن ذلك لم يُثنِ عزيمتهم عن المثابرة في تحصيلهم العلمي، إضافةً إلى ارتباطاتهم والتزاماتهم العائلية بصورة تجعلك تصاب بالإحباط الشديد من جرأتهم على قول مثل هذه الادعاءات الكاذبة، فقط لمجرد أنهم حصلوا على ورقة كرتونية دون جهد أو عناء من بعض الجامعات التي لم تعد تهتم كثيرًا لتطبيق المعايير الأكاديمية في منح الدرجات العلمية لطلابها، بقدر اهتمامها بتسويق منتجاتها الكرتونية بين المتعثرين دراسيًا.

إن التساهل الذي تبديه بعض المؤسسات التعليمية في منح هؤلاء المزيفين شهادات مدفوعة الثمن، سيؤثر سلبًا على الأجيال القادمة وربما سيطفئ جذوة الحماس في نفوس الكثير من المتفوقين والمثابرين حين يرون هذا التساهل الكبير في الحصول على المؤهلات العلمية لكل من يدفع ثمن تلك الكراتين التي يسميها المزيفون زورًا وبهتانًا «مؤهلات علمية»، وحينها سنجد أن مظاهر التراجع ستطغى على مناحي الحياة الفكرية والعلمية والاجتماعية كافة.

نحن بحاجة إلى وقفة جادة من وزارة التعليم تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، كي لا نجد أنفسنا في نهاية المطاف في القائمة ذاتها التي تضم دولًا لا تحظى بالحد الأدنى من المصداقية العلمية في الأبحاث والرسائل العلمية الصادرة عن جامعاتها ومعاهدها المتخصصة.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق