برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رموز

القلب «الحرّاق» والهوى «الأتموسفير»

كانت التوابل بالنسبة للأوروبيين وللعالم أجمع في العصور الوسطى سلعة استراتيجية مهمة، وكانت الهند بلدها الأصلي، وكانت تجارتها مزدهرة ومربحة ومثمرة، ويقال إن أحد الأسباب التي دعت الأوروبيين لخوض غمار البحر واكتشاف الممرات هو الوصول إلى بلاد التوابل دون المرور ببلاد المسلمين.

هذا كما يُقال سبب من الأسباب الكثيرة التي عجلت باكتشاف رأس الرجاء الصالح، وبعده ازدهرت تجارة التوابل أكثر، واحتكرها الأوروبيون بعد أن غيروا طرقها ولم تعد تمر ببلاد المسلمين.

ومازالت التوابل تحضر كسلعة استراتيجية، كل الشعوب تعرفها وتقتاتها، بل إنك لا تتخيل مطبخ شعب من الشعوب لا يعتمد في أكله على هذه المنتجات العجيبة، كل ذلك يمكن قبوله في سياق الأكل ومتطلبات نكهاته، لكن أن تصبح القلوب متبلة فذلك أمر جديد لم تعتده الذائقة الفنية ولا العقول السوية.

يوسف زيدان وفي معرض حديثه أو شرحه لقصيدة كعب بن زهير الشهيرة والتي يعتذر فيها للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- عما سلف منه من أخطاء بحق الإسلام ورموزه، تصدى هذا العلامة الكبير وبإثارته المعهودة لمصطلح «متبول» والذي جاء في مطلع القصيدة: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ»، وردد مرارا أن «متبول» تعني أن قلب الشاعر قد عتقته التوابل بعد أن تمرغ فيها ظهرًا لبطن، ولعل إشارته بيده وهو يقلبها يمينًا ويسارًا تشعرك بالمعني الشوائي الجديد الذي عناه في معرض شرحه لـ«لامية» كعب بن الزهير الخالدة.

نحن الآن أمام نوع جديد من القلوب، فبعد أن كانت القلوب مرهفة وظالمة وبيضاء ومسودة، أصبح اليوم لدينا وبمقاييس العلامة الشهير قلوب متبلة، وربما كاملة الدسم أو منزوعة منه، تبعًا لطبيعة ذلك القلب ونشأته وطريقة تكوينه والمطبخ الذي نشأ فيه.

تخيلت قلوب العشاق المتبلة حبًّا والمبهرة بخيرات الهند، تخيلت هذه القلوب وهي تصارع مرارة الحب والعشق والهيام بنكهات الفلفل الأسود والكمون، والقرفة والكركم، تخيلت قصائد الغزل تفوح منها نكهات غرام المسالا ونكهات الكاري العتيقة، تخيلت حبًّا عنيفًا لاذعًا بنكهة الشرق وطعم توابله.

بالأمس القريب يصم هذا «العلامة» عرب الجزيرة بالتخلف ويزدريهم، واليوم يضيف إلى قاموسنا النقدي والإنساني نوعًا جديدًا من القلوب، ألا وهي القلوب الحرّاقة، ومن يدري ربما غدًا ستكون قلوبنا على موعد مع تصنيف زيداني جديد، وما المانع؟، فتحت تأثير الحالة المزاجية للناقد ظهرت القلوب المتبلة وربما غدًا تظهر القلوب المشوية في الهواء الطلق.

ولم لا؟ فـ«أبو تمام» يقول: «قلب فؤادك حيث شئت من الهوى»، و«الهوى» قد تعني في قابل الأيام وبمفاهيم العلامة الخطير وأسلوبه النقدي الفريد: طبقة الهواء الجوي «الأتموسفير»!.

علي المطوع

علي احمد المطوع، من مواليد مدينة مكة المكرمة، كتب رأي في عدد من الصحف السعودية، وكذلك في بعض المجلات الخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق