برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

معضلة استيراد الثقافة وتصديرها

في الوقت الذي تعتبر فيه المعرفة والعلوم التجريبية وحتى الإنسانية هي علوم بشرية عامة، تنتقل عبر المجتمعات بيسر وسهولة وتتراكم بشكل متواتر على اختلاف مصادر هذه المعارف عبر التاريخ، فإنه بالمقابل تبقى الثقافة البشرية ليست عامة ولا مطلقة، ولا يمكن أن تكون كذلك في يوم من الأيام.

الثقافة بوصفها الجانب المكتسب من السلوك الإنساني، ما هي إلا نتاج مباشر لتفاعل الإنسان مع ظروفه المعيشية اليومية، ظروف التاريخ والاقتصاد والأمن والدين والجغرافيا والطقس والبيئة وغيرها بكل ما تحمله من إرث وامتداد زمني لها.

بهذه الكيفية لا يمكن استيراد ثقافة مجتمع لمجتمع آخر يعيش ظروفًا معيشية مختلفة، لمجرد الإعجاب والرغبة بهذه الثقافة، فهذا الاستيراد هو نوع من الاستنساخ الذي يخلق هويّة مجتمعية مسخًا ليس لها ملامح واضحة وثابتة يمكن الركون إليها.

الثقافة لا تستورد كما المعرفة ولكنها تنتقل بشكل مقنّن وتدريجي وبطرق غير ملموسة، لعل أهمها ما يسمى بالمثاقفة ««Acculturation، والمثاقفة أو التثاقف هو نوع من التبادل الفكري ما بين الثقافات المختلفة، والذي تحكمه عوامل القناعة والحاجة والرغبة.

فمن خلال التثاقف تكتسب كل ثقافة من الأخرى ما ترى أنها بحاجة إليه فقط، مستغنية عن الباقي الذي ترى بشكل لا واعي، بأن لديها ما يكفي منه.

بهذه الكيفية انتقلت اللغات والأديان وطرائق اللباس والأكل وغيرها من مجتمع بشري إلى آخر في أغلب فترات التاريخ البشري، دون الحاجة إلى حروب ثقافية ودينية، كما حدث في بعض الفترات من تاريخ البشرية لفرض ثقافة ما أو استيرادها من قبل المهزوم ماديًا أو ثقافيًا في فترات أخرى.

الثقافة هي نوع من تفاعل الناس مع حياتهم اليومية، هذا التفاعل هو من ينتج مجموعة الأفكار والمعتقدات والقيم وطرائق الملبس وأنواع الأكل والأدب والموسيقى وغيرها، وهذه الأشياء لا تستورد بالجملة، كما يظنه البعض أو يتصوره، هي تتأثر وتتلاقح وتكتسب من هنا وهناك ولكنها لا تنتج إلا من رحم الحياة اليومية للناس.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق