برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

التعالي عدو المعرفة

من أقبح الصفات التي تبدو جلية على تصرفات الكثير من المشتغلين في الحقل الثقافي هي صفة التعالي، بعضهم يرى أن ارتباط هذه الصفة بسلوكهم مع الآخرين تأتي ضمن سياق عمق التجربة التي تجعلهم أكثر اعتزازًا بمنجزهم الثقافي الذي حققوه في مراحل زمنية مختلفة، تخللها الكثير من الصراعات الفكرية مع التيارات المناوئة.

لذلك يغلب على آرائهم الحدة والتطرف حين يكون الطرف الآخر في الحوار يحمل فكرًا مغايرًا عما تشربوه من أفكار وأطروحات، قد تكون بمجملها محل جدال حتى في تلك البيئات التي ولدت فيها في ظل ظروف مكانية وزمانية لها خصوصيتها، التي ربما هم أنفسهم لم يحيطوا بتفاصيلها.

خذ على سبيل المثال، حين يتحول النقاش عن جوهر مفهوم «الليبرالية» كمصطلح ارتبط بنمط الحياة الفكرية الغربية إلى سياقات تاريخية متداخلة فيما بينها، لإيضاح التسلسل التاريخي لولادة هذا المصطلح، بهدف إيهام المستمعين بصحة الخلاصة التي سيختتم بها نقاشه بعد الاستغراق في السرد التاريخي له، وهو ربما توصل لهذه الخلاصة قبل أن يطلع على النشأة التاريخية لهذا المفهوم أو ذاك، بمعنى أن الدافع الرئيسي للاطلاع لم يكن من أجل المعرفة المجردة التي من المفترض أن تكون القاعدة الصلبة التي يستمد منها الأفكار والآراء، وإنما من أجل تعزيز قناعاته المبنية في مجملها على استنتاجاته وانطباعاته الشخصية.

للأسف، إن مثل هذه الأساليب التي تعتمد على السرد المعلوماتي البعيد عن ملامسة جوهر المفهوم أيًا كان هذا المفهوم تجد قبولًا وتفاعلًا من شريحة واسعة من المهتمين والمطلعين على بعض الإشكالات الفكرية المعاصرة، وهذا يقودنا إلى أن نستنتج بأن مناخنا الثقافي بشكل عام ربما لا يزال غارقًا بالأفكار المقولبة، والتي تعكس تبعية هذا المناخ وخضوعه لسطوة الثقافة المحكية في المجتمع، وإلا لماذا لم ينعتق هؤلاء من التأثر بهذه الأساليب البدائية لقمع الآراء المخالفة لها؟.

إن تعاليهم الظاهر في نقاشاتهم مع خصومهم في الفكر يبرهن على أن الاشتغال في الحقل الثقافي ليس كافيًا لأن يمتلك الإنسان جوهر المعرفة، والذي من خلاله يزداد الإنسان تواضعًا يسمو به عن السقوط في أوحال الغرور والكبر.

إن المثقف الحقيقي -في رأيي الشخصي- هو ذلك الإنسان الذي يحمل في داخله قنديلًا من الحكمة يضيء فيه عتمة الجهل والتعصب، اللذين يحجبان عن البصيرة رؤية الحقائق المجردة بموضوعية تامة، وهو الذي لا يشعر بأدنى حرج حين يتراجع عن آرائه بعد أن يكتشف أن ثمة حقائق لم يدركها خلال مطالعاته وقراءاته السابقة، بسبب التأثير الذي تحدثه الانطباعات الشخصية والأحكام المسبقة في باطن عقله اللاواعي.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

تعليق واحد

  1. مقال رائع
    ربما يعود هذا التعالي الى إعجاب الإنسان بنفسه وهو إعجاب خادع ويتأتى عادة عن قلة علمه في حين يتصور انه يمتلك من المعلومات اكثر مما هو واقع الحال، راجع منحنى داننغ – كروغر . ولذا ورد عن علي بن أبي طالب : إعجاب المرء بنفسه برهان نقصه وعنوان ضعف عقله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق