برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
نكز

المثقف وعار التاريخ!

أن يقف الأديب بمسافة واحدة من كل ما يحتدم حوله في زمن الغليان وسجالات النار والبارود هذا، منحازًا لقيم الحياد فحسب، محتفظًا بولائه لهوية الفن ثم لا شيء آخر، فهذه فكرة أنضجها خيال موغل في انسلاخه وتباعده عن واقع التكوين الإنساني الذي لا يملك إلا أن يكون منحازًا، ولا يحسن حتى في أقصى تشبثه بقيم الحياد إلا أن يكون منضويًا تحت لواء، أو مستظلًا راية، إذ الحياد التام محض خيال، وضرب من المحال.

والأديب كغيره من البشر يتشكل وعيه وفق منظومة من القيم، وجملة من المعطيات، وتتبلور ولاءاته عبر وعيه الفكري، ومرجعياته الثقافية والاجتماعية، وعلى ضوء تلك الولاءات، والمرجعيات، تتشكل مواقفه، قبل أن تتسرب تلك المواقف إلى منجزه وحبره، ويتردد صداها في صوته، بصرف النظر إن كان ذلك الصدى منسجمًا مع أفق التوقع من حوله، أو كان خارجًا عنه وفق رؤاه ومنطلقاته.

وحتى أولئك الذين انتجعوا الغابة يومًا، وتشبثوا بالأغنيات خيار حياة، ورفقة الطير ملاذًا من واقع البشر، كانوا في الأصل مهزومين بولاءاتهم وخياراتهم، ولم يكن موقفهم انتصارًا للفن بقدر ما كان هزيمة موجعة للذات.

والزلازل الفادحة التي تعاورت الواقع العربي لم تكن لتدع فردًا فوق هذه الخارطة دون موقف يراوح بين الـ«مع» أو «الضد»، أو يتردد في المنطقة الرمادية بينهما، والفنان الذي هو جزء من فسيفساء هذا الواقع، أفصح عن مواقفه وأعرب عن رأيه، فكان وفق المتوقع مرة، وصادمًا حد الذهول مرة، وشعاراتيا صرفًا مرة، ومتخاذلًا مفصحًا عن قبح المثقف مرات ومرات!.

وما يظهر متناقضًا من مواقف المثقف العربي إزاء الأحداث من حوله، قد يكون مبررًا في ظل السديمية الهائلة التي تتغشى المشهد من حوله، والتي لا يفلح أحيانًا حتى أعمق الوعي في كشف حقيقة الكامن خلفها، وقد يكون كذلك مندرجًا ضمن التحولات والمراجعات التي يمر بها المثقف، وتتغير على ضوئها مواقفه وتتبدل رؤاه، لكن أسوأ ما في الأمر أن تتبدل المواقف تبعًا لبوصلة المصالح وبحسب اتجاه الريح، وحينها يعود الأديب أو المثقف مسخًا يتشكل وفق آنية اللحظة فحسب، ويكون أقصى همه سوانح الفرص، أو حيازة الأكف التي تلتهب إعجابًا بصخب الشعارات الفارغة، أو حتى تسجيل موقف يحضر به ضمن دائرة الحدث، متوهمًا النجاة بتاريخه من عار التاريخ، وما علم أن الذي فعل هو العار في أسوأ تجلياته!.

محمد الراشدي

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق