برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بصمة

خارج الخدمة مؤقتًا

من يتذكر ماضيه القديم، وأقصد من هم بالعقد الرابع فما فوق، كيف كانت الحياة بدون هاتف جوال في جيبك؟ العالم تغير وأصبح قرية صغيرة جدًا بسبب تقدم التكنولوجيا الحديثة وبما فيها الهاتف الجوال.

فإذا تذكرنا أيامنا الماضية وكيف كانت رحلاتنا، وتواصلنا مع ذوينا، كيف كنا نتواعد ونتقابل في أماكن البر أثناء الرحلات؟ وأثناء السفر للخارج، كيف كانت أمهاتنا يأمن وهم لا يعلمن عن أولادهن أي شيء، هل هم سالمون أم حصل لهم شيء؟.

الإنسان يتكيف مع الزمن، ووالدانا تكيفا مع ذلك الزمن بتفويض أمرهما إلى الله والاستسلام لأمره لحين رجوعنا من الرحلات أو السفر، فكانا لا يعلمان عنا شيئًا إلا حينما نصل إليهما، كيف كانا؟ وإلى أين أصبحا الآن؟ التغير الذي حدث رويدًا رويدًا بعد فسح البيجر ومن ثم الهواتف الذكية أو الجوالة، وأصبح الكل يتابع من يريد من أولاده أو من يعول بهذا الهاتف.

بعدها ظهرت وسائط التواصل الاجتماعي بأنواعها، فمنها وسيطة «الواتس آب» التي أصبحت وسيلة المتابعة بالصوت والصورة، فأصبحنا في سفرنا ورحلاتنا الكل معنا يشاهد ويتابع ما نحن فيه من جمال ومتعة مكان، وهذا غيب متعة ما نسميه «قصص الرحلات» بحيث يرجع الإنسان إلى بيته وجميع من حوله قد شاهد ما تم إرساله لهم من مناظر طبيعية ومتاحف وأكلات وحفلات، فكأنه بينهم ومن حولهم.

هذه التقنيات التي استُحدثت غيرت من السلوك الشيء الكثير، فأصبحت تتابع ابنك وهو يذهب لمدرسته، والزوجة تتابع زوجها في أي مكان يكون عن طريق تحديد الموقع بوسيطة «السناب شات» أضف إلى ذلك كيف كنا نلتقي في الماضي ببعضنا البعض ونتواعد في أماكن بعيدة أثناء رحلاتنا البرية لا اتصال ولا تواصل؟ وإنما يكون ذلك بالتواعد في مكان وفي زمن محدد يتم الالتقاء فيه.

الآن بعد تحديد المواقع بما يسمى «اللوكيشن» تيسرت الأمور وأصبحنا نتنقل عن طريق الجوال سواء كان بعيدًا أو قريبًا خارج الوطن أو داخله، فالمفارقات التي كانت إذا تذكرناها مفارقات كبيرة جدًا، ولكن كانت الأمور تسير على ما يرام، ولم يعكر صفوها شيء، ولكن الآن لو نسيت هاتفك الجوال أو انطفأ، إما بسبب الشاحن أو لعطل ما، تفقد سيطرتك على نفسك وتشعر أنك خارج الخدمة موقتًا ولا تستطيع الصبر لساعات فصبرك ينفد، لماذا؟ لأن الهاتف الجوال جعلك متصلًا دائمًا بمن تريد.

أخيرًا، ربما يأتي وقت يتم فيه تطوير وسيلة التواصل والاتصال وتصبح فترتنا هذه فترة نقد واستغراب كما استغربنا وقتنا الماضي الذي عشناه، ربما.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق