برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

الغريم الأزلي للمثقفين!

يتوهم بعض المثقفين أن التحفظ في إبداء الآراء تجاه بعض الأحداث المستجدة في مجتمعاتهم، بأنه أعلى مراتب الخيانة للمبادئ والقيم التي ناضل أسلافهم على مدى تاريخ البشرية لصونها والحفاظ عليها من الاندثار والتلاشي، في ظل طغيان مظاهر القمع ومصادرة الحريات بكل أشكالها وأنواعها في مختلف الأزمنة والعصور.

هؤلاء المثقفون، وإن كانوا متمرسين في الجانب التنظيري على الدفاع عن القيم الإنسانية التي توحد البشر، رغم اختلاف أعراقهم وألوانهم وأجناسهم، إلا أنهم يسقطون في براثن المثالية الزائفة، حين يواجهون الواقع الذي يعيشون فيه بشعارات العدل والمساواة والحرية من منظور عاطفي لا علاقة له بجوهر تلك الشعارات.

أكثر ما يزعجني هو إصرارهم على أن المناوئة والصدام مع السلطة هو الطريق الوحيد لتحرير المجتمع من الوصاية الفكرية وكسر قيود التبعية العمياء التي كرست حكومات العالم «الديمقراطية والمستبدة» إعلامها ومنابرها المختلفة لتأصيلها في اللاوعي الجمعي في مجتمعاتها، بحثًا عن التأثير في توجهات الشارع وآرائه.

هناك ثمة لبس جلي لدى هذا النوع من المثقفين، والذي يغلب على تفكيره الطابع الثوري أمام كل ما يمت إلى السلطة بصلة، وكأنه في معركة أبدية لن تنتهي فصولها وأحداثها حتى تتسلم النخبة المثقفة زمام الأمور من غريمها الأزلي «السلطة» كما اعتادوا على وصفها في أدبياتهم ومؤلفاتهم بهذا الوصف.

أغرب ما في الأمر، هو أن البعض لا يؤمنون بأن ثمة نقاط التقاء قد تجمعهم بالسلطة من أجل تحقيق المصلحة العامة، وفق إطار زمني تدريجي، أو لنقل: وفق ضوابط تحافظ على طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بحيث تبدو متسقةً مع تطلعات كلا الطرفين «الشعب والسلطة».

لذا تجدهم دائمًا يبحثون عن مسارات أخرى بديلة لا تؤدي بهم إلى النهايات ذاتها التي تتقاطع بها رؤيتهم مع رؤية السلطة، بحسب ما تمليه المرحلة الزمنية من تغيرات ضرورية، على أنهم يؤمنون بأن السلطة ماضية بالاتجاه الصحيح نحو الإصلاحات المنشودة من الجميع، لكن ليست على النهج الديمقراطي الذي يرون وجوب تطبيقه «بحذافيره» على أي تغيير أو إصلاح يتم تطبيقه في المجتمع.

بمعنى آخر، بإمكاننا القول: إن هؤلاء المثقفين يجدون صعوبة كبيرة في إقناع الجماهير بأن المسارات التي أدت بهم إلى الالتقاء مع السلطة في نهاية المطاف هي مسارات حتمية، طالما أنها تهدف إلى غاية واحدة وهي دفع المجتمع إلى التطور والتشكل الحضاري حتى لو اختلفت الأدوات والطرق المتبعة لتحقيقها.

لا أعرف لماذا لا يفكر هؤلاء بأن تكريس فكرة العداء الأزلي بين السلطة والمثقف في أذهان العامة قد يؤدي إلى عدم تفاعل الناس مع الإصلاحات والتطورات الاجتماعية المتلاحقة؟ أليس من الأولى التركيز على نقاط الالتقاء مع السلطة من أجل تحقيق الرخاء والتنمية البشرية والفكرية لمجتمعهم، بدلًا من تقمص أدوار الفرسان النبلاء التي قد تأتي بنتائج عكسية على مجتمعاتهم؟ على غرار ما فعله الفارس النبيل «دون كيخوته دي لا مانتشا» الذي حارب طواحين الهواء تحت تأثير مثاليته الساذجة.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

تعليق واحد

  1. موضوع يستحق القراءة والتعليق. يجب تغير الفكر النمطي بين الناس والأهم أن توجد مفاهيم مشتركة بين السلطة والشعب. حمى الله حكومتنا وشعبنا من كل شر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق