برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

رحلة في سجون «أمن الدولة»!

حين وصلتني الدعوة لحضور احتفال نزلاء سجن المباحث العامة برئاسة أمن الدولة بمنطقة عسير، ترددت كثيرًا في الذهاب خشية الجانب النفسي الذي يمكن أن أمر به حين مشاهدتي للنزلاء وأوضاعهم، وكردة فعل طبيعية لأي شخص عن توقعه لوضع نزلاء السجون.

وبعد حوار نفسي، بل صراع، قررت الذهاب لتأدية الواجب الوطني أولا ثم الواجب الإعلامي والإنساني.

أول الأمور التي أعطتني انطباعًا بالارتياح المبدئي، تعامل الموظفين والضباط وإدارة السجن من حسن استضافة وتعاون شديد لتسهيل المهمة الإعلامية.

كانت الدعوة تشمل حضور الحفل الخاص بالنزيلات وحفل النزلاء والقيام بجولة في الأجنحة، وفي جناح إدارة الوقت الذي تم استحداثه حفاظًا على أوقات النزلاء من الضياع وتلبية لمواهبهم المتنوعة.

الملفت أن الحفل بالكامل كان من إعداد وتنظيم وتقديم وضيافة النزلاء الذين ظهروا كفريق عمل جماعي متناغم، وكل فرد منهم يعرف مهمته تمامًا ما جعل الحفل مميزًا والفقرات مذهلة.

مواهب مفاجئة ظهرت في الفقرات من النزلاء ابتدأت بمقدم الحفل والذي لم يتجاوز الـ26 من عمره، ويمتلك بلاغة وفصاحة وموهبة في الإلقاء والشعر بصورة ملفتة، ثم توالت الفقرات من التلاوة بصوت جميل ثم قصائد فصحى ونبطية وأوبريت مسرحي وانشادي، من إعداد وتقديم النزلاء، كذلك وكان بمستوى عالٍ من الجودة، بالإضافة إلى فقرة غنائية كان كل أفرادها من النزلاء مطربًا وعازفًا للعود والبيانو وجميع ما تحتاجه الفرقة على المسرح، بل وحين كنت أبحث عن نزيل لأجري معه لقاءً صغيرًا فاجئني أحدهم وهو يحمل مايكرفون وخلفه مصور بكاميرا احترافية، وطلب أن يجري معي حوارًا، وهو أحد النزلاء، ممن يمتلكون هواية الإعلام وموهبة الإلقاء والحوار، ووفرت له إدارة السجن كل ما يريد لممارسة العمل الإعلامي الذي يجيده من داخل السجن.

ومن الملفت كذلك أن أحد النزلاء طلب إرسال حسابي في سناب شات لأسرته حتى يشاهدوا لقائي معه، وطلبتُ ذلك من إدارة السجن ووعدوني بذلك، ولم أتوقع أن يتم تنفيذه عاجلًا حتى أنني لم أخرج من هناك إلا وقد راسلتني والدة النزيل تشكرني على اللقاء.

أبسط تعبير يمكن قوله عن هذه الزيارة: إنني ذهلت مما رأيت من مستوى عالٍ توليه بلادنا لهذا المكان الذي يحتضن أفرادًا من مجتمعنا، وقعوا في الخطأ، وكذلك الأسلوب الراقي في التعامل مع المخطئ، والذي أجزم أن أكبر الدول لا تتعامل به.

كنت أشعر برغبة شديدة في التحدث إلى النزلاء وتوقعت الرفض إلا أنني تفاجأت بأنهم كانوا بيننا في الحفل كبقية الضيوف أو المستضيفين، وكانت إدارة السجن ترحب بحديثنا معهم وإجراء لقاءات مباشرة، شريطة أخذ الإذن من النزيل نفسه ورغبته في الظهور أو التحدث، وهذا لمنحه حق الرغبة في الظهور من عدمها.

وحين أجريت مع بعضهم لقاءات سريعة ذهلت من ابتسامتهم ومظهرهم الأنيق ومحبتهم للحياة ورقي أفكارهم ووضوح التغيير الجذري على شخصياتهم وثقافتهم.

وفي الواقع، إن هذا الإحسان وهذا التعامل الراقي مع فرد من أفراد المجتمع وقع في الخطأ ليس بغريب على وطني، فهو يتعامل معهم كأمٍ حانية تحتضن ابنها المخطئ حتى يعود إلى سبيل الصواب، ولكن الصورة الذهنية التي زرعتها بعض الثقافات السائدة والمواد الإعلامية والمسلسلات وغيرها، جعلتنا نرسم صورة نمطية لهذا النوع من السجون في مظهرها وفي مضمونها، ولكن الواقع الذي رأيته بعيني ولم أسمع عنه فقط، كان مختلفًا تمامًا وكان دافعًا إضافيًا لمئات الدوافع التي أحملها للافتخار بوطني.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق