برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سبْر

المشروعات الحكومية.. غياب الإدارة الاحترافية

ربما تكون السعودية من أكثر الدول التي أنفقت على مشروعها التنموي، مقارنةً بناتجها الإجمالي، حيث كان هذا الإنفاق يستحوذ على حصة الأسد في ميزانية كل خطةٍ خمسية، طوال العقود الماضية، ولا يمكن التشكيك في ضخامة المنجز، ولا التقليل من نجاح هذا المشروع التنموي المذهل.

ثم جاءت «رؤية 2030» لتطور هذا الإنفاق، عن طريق تقنينه وتحديد آلياته، وأولوياته، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍ معقول، إلا أنّ بعض النقاط لا تزال تحتاج للمراجعة والتحديث وتشريع القوانين، وهذا ما ستحاول هذه المقالة تناوله.

إدارة المشروعات، هذه الكلمة السحرية، التي تصنع فارقًا بين منجزٍ وآخر، لن تستطيع الوفرة المالية بمفردها، ولا الإرادة الصادقة معها، أن تصنعا منجزًا فارقًا في مجاله، فالوفرة في غياب الإدارة الفعالة ليست سوى فرصٍ للهدر، والنية الصادقة دون الإدارة الفعالة ليست سوى سباحةٍ في الهواء.

تبدأ الإدارة الفعالة للمشروعات عند وضع التصور الأولي للمشروع، حيث تدرس مدى الحاجة إلى تنفيذه، ومدى ملاءمة درجة هذه الحاجة وأولويتها للقدرة المالية، ثم ضرورة استيفاء جميع الشروط الفنية للمشروع بما يتطابق مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال المشروع، كل ذلك يندرج تحت مرحلة دراسة المشروع الأولية، لكي نصل إلى مرحلة اختيار الجهة المنفذة، وضمان أن تكون مؤهلةً لتنفيذ المشروع، ضمن العقود التي تضعها الجهة المالكة والتي يجب أن تكون ملزمةً وتفصيلية بشكلٍ يقلل المساحة الضبابية – التي تتوزع المسؤولية فيها بين أطراف العقد – إلى أقصى حدٍ ممكن.

ثم البدء في مرحلة التنفيذ تحت الإشراف المباشر والدقيق للجهة المالكة للمشروع ومن ترى الاستعانة به من بيوت الخبرة ذات الاختصاص، وتشمل هذه المرحلة التعامل مع المشاكل التي تحدث بعد بدء العمل وإجراء التغييرات الضرورية وفقًا لدراسة دقيقة، تنأى بالعمل عن الارتجال والعشوائية، مع ضرورة الالتزام بالجدول الزمني الذي يجب أن يكون صارمًا ومحددًا.

وفي نهاية المطاف يتم استلام المشروع بشكلٍ لا يدع مجالًا للتجاوز والاجتهاد، تحت إشراف فريقٍ من المختصين بما فيهم بيوت الخبرة المعروفة في تقييم المشروعات كطرفٍ ثالث.

هذا تلخيصٌ لدورة تنفيذ المشروعات بشكلٍ عام، وسوف أذكر هنا بعض العيوب الجوهرية في تنفيذ المشروعات الحكومية:

1. ضعف كراسة المواصفات الفنية وعدم كفاءة القائمين بإعدادها، وهذا ما يمكن تجاوزه عن طريق استقطاب الكفاءات الفنية والهندسية وتدريبها وتطويرها، كما تفعل «أرامكو».

2. نظام المشتريات الحكومية وترسية العطاءات، حيث يعطي الأولوية للسعر الأقل، وهذه طريقةٌ لم يعد من الممكن العمل بها في ظل تطورات الإدارة الحديثة، التي ترصد فوارق الجودة، وكفاءة المنفذين.

3. عدم تأهيل المقاول الذي ينفذ مشروعات بمليارات الريالات للدولة، حيث كل ما يحتاجه المقاول مجموعة من الإجراءات البيروقراطية للحصول على المشروع، بعيدًا عن كفاءته وتاريخه العملي والإنجازى، ولمعرفة ضرورة تأهيل المقاولين يمكن مراجعة تجربة «أرامكو» في ذلك.

4. ضعف المزايا المالية والحوافز للموظف الحكومي الذي يعد مواصفات المشروع ثم يشرف على تنفيذه واستلامه، هذا الضعف في المزايا المالية يؤدي إلى تكدس من لفظهم سوق العمل الحقيقي والتنافسي ليتواجدوا في الوظائف الحكومية، التي لا تحتاج سوى المواظبة على الحضور.

5. تضييق مجال المشاركة أمام المقاول العالمي، مما أدى بالمقاول المحلي إلى الكسل الناتج عن ضمان حصوله على جزءٍ من الغنيمة بغض النظر عن كفاءته.

أكتب هذه المقالة بعد ساعات من حدوث حريق محطة قطار الحرمين في جدة، هذا الحادث المأساوي لا يمكن أن يحدث بهذا الشكل دون وجود تجاوزٍ وتقصيرٍ ستكشفه التحقيقات في الأيام القادمة، ولنقارن بين هذا الحادث وبين العمل الإرهابي في بقيق وخريص، لنعرف الفرق بين عقلية «إدارة المشروعات» وعقلية «الدكاكين».

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق