برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

«عائشة» وإحياء الحياة

امرأة مغتربة تعمل منذ ما يزيد عن تسعة عشر عامًا، وقت كان عمرها ثمانية عشر عامًا، لم تدخر قرشًا واحدًا من عملها «هي تقول ذلك».

راتبها بسيط، تدرج مع سنوات الخدمة، ليصل مبلغًا يعدّ محترمًا جدًا في دولتها، مع ذلك لم تدخر منه شيئًا طوال سنين عملها.

أين ذهب راتبها؟

اشترت أرضًا وبنت عليها منزلًا لعائلتها في وطنها، يقيم فيه والداها وأخواتها الأربع وأخاها، واشترت مزرعة صغيرة ليعمل فيها أخوها، واشترت له عربة نقل بسيطة لينقل عليها منتجات مزرعته للسوق، وأعطته مبلغًا أقام به مشروعًا صغيرًا لعصر الفواكه التي تنتجها مزرعته البسيطة، ويقدمها على الطريق للسياح، وساعدت في نفقة زواج واحدة من أخواتها، ثم مصاريف أبناء هذه الأخت.

أنفقت على دراسة أختها الصغرى، والتي تدرس الآن القانون في بلدها لتصبح محامية وتستلم الراية من أختها «الدراسة الجامعية في موطنها باهظة التكاليف»، وأنشأت شبكة بسيطة لنقل المياه في قريتها «كان نقل الماء في قريتها بدائيًا يدويًا من النهر أو الآبار القريبة»، كل هذا براتبها البسيط على مدى تسعة عشر عامًا.

الآن عمرها يناهز الأربعين، تقول لي: أنا حزينة، أنشغل في عملي ومقصرة في أداء العبادات.

سألتها باستغراب: أي عبادات التي قصرتِ فيها؟ أراكِ لا تفوتين فرضًا مع سننه، وعندما أسهر أسمع منبهك يدق قبل الفجر بساعة وأسمعك تقرئين القرآن بصوت نديّ هادئ، وقد حججتِ مرتين، فضلًا عن عدد من العمرات قمتِ بها، فأي عبادات قصرتِ فيها.

قالت لي: مقصرة في حق والديّ، ها هما يبلغان الكِبر الآن ويحتاجان للمساعدة وأنا بعيدة عنهما، أخشى أن يعاقبني الله لهذا العقوق.

نظرت لها بإكبار وإعجاب، وقلت لها وقلبي يتفطر لعلمي بشوقها لهما، ولإدراكي كم هو موجع شعور التقصير مع الوالدين خاصة إن اختطفهما الموت أو أحدهما دون أن تعالج هذا الشعور: هل تريدين التوقف عن العمل لترجعي إليهما تخدمينهما؟.

نظرت لي بألم وقالت: ليتني أقدر، مازال مشوار أختي في الجامعة طويلًا، وأختي الثانية تنظر لي بأمل أن أعينها في تكاليف تربية أبنائها، فضلًا عن أختي الثالثة التي تعاني من زوج سكير هاجر المنزل وليس هناك من يدعمها سواي، إن تركت العمل فمن يعيل هؤلاء؟ ومن يعيلني أنا أصلًا؟ هي فضفضة أبثها لك عن قلقي ومخاوفي من غضب الله وأدعو غفرانه ورحمته.

سكتّ وصرت أتأملها بعمق، وقلت لها: هل تعرفين أني أغبطك على كل ما فعلتيه؟ وأتمنى أن يكون لك شفاعة عند المولى فتشفعين لي بها تقصيري؟ يا غاليتي لا أستبعد أبدًا أن مقامك عند ربي أعلى مني ومن كثير، فلا تنسيني من دعائك.

قلت لها: يا عائشة ما تفعلينه هو من الجهاد في هذه الحياة، ولك عليه -بإذن الله- أجر كبير، ولا أعني فقط صلاتك وقيامك وصيامك وكل الطقوس التعبدية التي تقومين بها، فهي على أهميتها، ليست بشيء مقابل أمانتك وصبرك على الغربة وبعد الأهل والوطن فقط لتعيلي غيرك وتقومي بصلة الرحم لهم.

قلت لها: يا عائشة أجر كل فلس يكسبه أخوك من عمله، أو ستكسبه أختك فيما بعد، وأجر كل لقمة كنتِ سببًا فيها دخلت جوف أحد من أهلك، وأجر الماء الذي وفرتيه لكل منزل في قريتك، كلها أجور ممتدة لكِ وأنتِ في مكانك هنا، بل وحتى بعد وفاتِك، لولا الله ثم توفيقه لك وعملك وتضحياتك ما كان لكل هذا أن يتم.

قلت لها: يا عائشة صحيح أنك لم تدخري قرشًا في حياتك، لكنك أنفقتها بذكاء وجعلتيها تسبقك عند ربك.

يا عائشة كنتِ مصدر حياة لكثير، أنتِ الغنية ونحن الفقراء، أنت البارة ونحن العاقون.

ترى لو قُدّر أن كل فرد فكر كعائشة، فعمل على جعل الحياة «حية»، عمل على تمثل اسم الله المعطي والمحيي، لو قدّر ذلك، كيف سيكون وضعنا؟.

نسيت أن أخبركم أن «عائشة» هذه هي مدبرة منزلي منذ ما يزيد عن أحد عشر عامًا، «امرأة» لكنها بـ«أمة»، «والحق أن كثيرًا حولنا لو دققتم ستجدونهن كذلك».

نساء حملن همّ الحياة، كيف يحيينها في كل حي حولهن، عمرن الحياة وفق قدرتهن، ولم ينسين نصيبهن من الآخرة، «الجهاد الحقيقي» هو في «إحياء الحياة»، تلك هي «خلافة الأرض» التي انتدب الله الإنسان لها، وتلك هي دعوة الأنبياء والرسل، دعوتهم ليست في توحيد الخالق وحسب، بل و«إحياء الحياة»، أما «قتل المخالفين وترويع الناس وقتل النفس بعدها بما يسمى عمليات استشهادية» وادعاء أن ذلك هو الجهاد ومهام الخليفة، فلعمري هو عمل الجبناء والضعفاء، عجزوا عن مواجهة الحياة والصبر على شدائدها، فانتهزوا طريق الموت، طريقًا زينه لهم شياطين الإنس أنه الأسرع لملذات تمنوها ولا يطيقون عنها صبرًا.

من الأقوى «عائشة» التي تحملت الحياة لتحييها أم ذاك الأخرق الذي ارتدى حزامًا ناسفًا ليهدم صنع الله؟.

بالمناسبة، من تراه ولي أمر الآخر؟ «عائشة» التي تولت أمر والديها وأخواتها وأخاها أم والدها وأخاها اللذان ينتظران راتبها كل شهر؟ مجرد سؤال بسيط لأولي الضمائر والألباب.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق