برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
صُوَّة

«عيال القروش»!

بنبرة حزينة ووجه يوحي «بقلة الحيلة» اشتكى لي من ابنه المراهق بكلمة تحمل في طياتها كل معاني التجاهل واللامبالاة، كررها في المرة الثانية بنبرة عالية، كأنه يؤكدها «يااااا أخي ولدي ما يعطيني وجه»، مستفهمًا بشيء من القهر عن أصحاب ابنه «وش لاقي فيهم؟».

بحكم معرفتي بالأب، والتي امتدت سنوات تبلغ ميلاد هذا المراهق، حقيقة لم أتفاجأ كثيرًا بهذا الموقف، والذي كنت أدعو الله – منذ سنوات – ألا يقع فيه صاحبي، لم أستطع أن أحجب ابتسامة خفيفة، بنظرة مشفقة، فهم صاحبي مغزاها، فرد بعفوية، ونظرات متحطمة «ما هو وقت عتاب الله يرحم والديك» شف لي حل، ولدي ما يبغاني، ما يحب يجلس معي، وإذا جلس كأنه في تحقيق، كلمة ورد غطاها، أو منشغل بالجوال، ولو تصله ريحة رسالة من صديقه، فز كأنه مقروص وطلع وتركني، وإذا دخلت عليه، وهو يمزح مع أمه يسكت، ليش ما يتعامل معي زي ما يتعامل مع أمه على الأقل؟.

لم أستطع أن أقدم له شيئًا، فقد كان لي معه في سنوات مضت بعض الوقفات، بخصوص ضرورة أن يوازن بين العمل، والتجارة، والتربية، وأهمية تواجده بين أبنائه، ومازلت أذكر كلمته لي في إحدى المرات «ما ناقصهم شيء، أحسن أكل، أحسن لبس، وشغالة وسواق».

لم أقدم له أكثر من أن نصحته باستشارة مستشار أسري لعله ينقذ ما يمكن إنقاذه، فقد يكون هناك بصيص أمل في حل المشكلة.

للأسف، كثير مثل صاحبي ممن انشغلوا بتنمية رأس المال والتجارة عن أهم رأس مال وتجارة، ولن يدرك هؤلاء اللاهثون في متاهات الحياة أهمية التصاقهم بأبنائهم في صغرهم واحتوائهم والموازنة بين تأمين الحياة الكريمة لهم والتربية الصالحة، إلا إذا تفاجأوا بهم وقد أصبحوا شبابًا استغنوا عنه بمن لاصقهم في صغرهم، أو من احتواهم في بداية مراهقتهم.

بينما هو على أعتاب الشيخوخة، يتجرع مرارة الوحدة التي يحتاج فيها إلى من يؤانسه ويجالسه وليست فقط من يخدمه، فلو كان الأمر لمجرد الخدمة فقط، فكل ما هنالك «فيزا» وأقرب مكتب عمل، والله يخلي «عيال القروش».

أحمد العوفي

أحمد بن جزاء العوفي، بكالوريوس كلية الشريعة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عمل في عدد من الصحف المحلية، كاتب سابق في صحيفة المدينة، كما نُشرت له عدة مقالات في بعض الصحف الإلكترونية، مهتم بالتربية، والشأن الاجتماعي، ناشر لثقافة التطوع، عضو إعلاميو المنطقة الشرقية، مارس الاعداد التلفزيوني من خلال القناة الثقافية السعودية وكذلك التقديم، صدر له كتاب خربشات فاضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق