يصير خير

ثرثرة موسيقية لمحطة قطار محترقة!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تجمهرت سيارات وناقلات لطالما أدمنت التنقل بين أحياء جدة وبقية الحجاز، تراقب مشهد احتراق محطة قطار السليمانية عن كثب، فيما سحب الدخان تتصاعد وكأنها أدخنة قطار بخاري قديم يعبر المدى بغصّة «أجرّ الصوت من جرحٍ براني»!.

«لم نكن بحاجة لمحطات تكلف مليارات الريالات يوم أن كنا في الخدمة» هكذا عبّرت حافلة خط البلدة وهي تسترجع ذكريات زمن فات بأسى، فيما أغنية «راح الشتاء وجانا شتاء والانتظار إلى متى؟» تصدح من مسجل مهترئ بداخلها وكأنه يرصد لحظة احتراق بها «فات الميعاد».

«مقادير يا درب العنا مقادير» هكذا علقت سيارة بيجو عتيقة على كلام الحافلة المسنة، ثم أردفت «إن حريقًا كهذا يستوجب ثورة شك ضد القائمين على المشروع»، فواقع «فينا واحد بيلعب.. فينا واحد يعاني» ومقولة «إن شفت شي في طريقك وأعجبك شلّه» يجب أن تتحول إلى المحاسبة الفعلية من باب «قف عند حدٌك».

أثارت شجونهما – خط البلدة والبيجو العتيقة – حفيظة حافلة نقل مدرسي بالكاد استطاعت التحدث بعد خضوعها «لعملية توضيب طويلة» فأخذت تتمتم بتذمر: لن يأخذنا التساهل مع الإهمال والفساد إلا إلى سكة التايهين.

سيارة «شاص» من جيل الثمانينات – قادمة من جازان – كانت تتابع مأساة المحطة وتستذكر حادثة احتراق المستشفى «الفالصو» بجازان، لواعج الألم الدفين و«لسه فاكر» جعل «الشاص» ينفجر في نوبة بكاء طويلة متطامنًا مع باقي أنين وتنشد عن الحال، فلم تملك سيارة «حوض» صغيرة إلا أن تبادله الشعور مترنمة «سلامات سلامات سلامات.. يا حبيبنا يا بلديات» وناولته منديلا ليمسح دموعه، مذكرةً إياه بالكف عن البكاء لتأثيره على البخاخات، ولأنه «يشفط البنزين» إلا أنه أسرّ لها بأن نظام حقن الوقود فيه لا يزال قديمًا «كربريتر» مع ذلك حين يصيبه عطل فني فإنه يذهب للتصليح في ورش جدة المتخصصة هربًا من ورش المنطقة، ولولا ذلك لاستقر به المقام في التشليح «ينطر سحابة عيد».

أثناء ذلك مرّت مجموعة سيارات فخمة تتبع إحدى اللجان المشكلة، كانت تنظر للسيارات البائسة شزرًا وكأنها بثرثراتها أحد أسباب الحريق، واصلت طريقها في زهو على إيقاع رومانسي هادئ «ادلع يا كايدهم»! تتبعهم سيارة هجينة لم يمنعها العطاس المستمر – بسبب تكاثف دخان الحريق – من تصوير المشهد ودمجه بمقطع موسيقى «سرقني ما دريت إنه سرقني.. سرقني واحسب إني فاطن له» فيما كان لوري «متشيطن» يفترسها بنظراته ولسان حاله يردد مع الأحسائي «دلعوك أهلك».

ثمة «سطحة» تراقب الموقف الذي سبب لها أزمة مشاعر، ما بين حزنها بفاجعة الحريق وسعادتها المبطنة بصيد وفير ينتظرها للتحميل، لذا أشغلت نفسها فيما تبقى من وقت لحمل الحطام بترديد «حيرت قلبي معاك».

محمد حدادي

محمد أحمد علي حدادي، كاتب قصة ورأي، شارك في كتابة المقال في عدد من الصحف المحلية منها صحيفة الشرق ومكة.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى