برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بصمة

الفكر الاستراتيجي والتخطيط العسكري

اخترت هذا العنوان ليكون امتدادًا لعدة مقالات قادمة نابعة من تخصصي الدراسي التاريخ، لأنني لا أستطيع الابتعاد عن هذا التخصص وعدم الكتابة فيه بين فينة وأخرى.

عندما نتحدث عن الفكر الاستراتيجي فنحن نقصد الابتكار وتقديم أفكار جديدة يصعب على المنافسين تقليدها أو مجاراتها، لذلك سنتحدث في هذه المقالة عن شخصيات قيادية كان لها تأثير كبير في التاريخ من خلال الفكر الاستراتيجي الذي استخدموه في تعاملهم السياسي والعسكري، ويأتي في مقدمة هؤلاء القياديين رسولنا وحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكان -عليه الصلاة والسلام- من الذين استخدموا فكر الاستراتيجيات العسكرية الجديدة، فعندما هاجر من مكة للمدينة خطط لعزل مشركي قريش بمكة عن العالم الخارجي، وذلك بقطع طرق تجارتهم عليهم، حيث بث السرايا من المدينة في كل اتجاه وخاصة من جهة الشمال المؤدية إلى الشام، وما كانت غزوة بدر إلا بسبب اعتراض المسلمين قافلة لقريش يقودها «أبو سفيان» محملة بالأموال والعتاد، إلا أنه تمكن بالنجاة بها عبر الساحل، وأثناء غزوة الأحزاب في السنة الخامسة استخدم الرسول -عليه الصلاة والسلام- التخطيط العسكري المتقن، وذلك بعدم الخروج ومقابلة القبائل المتحزبة ضده، بل فضل البقاء والتحصن بالمدينة وحفر الخندق لحماية المدينة، وهذا العمل لأول مرة يُستخدم في القتال، مما أدى إلى فشل وهزيمة الأعداء، وكان قبول الرسول ببنود صلح الحديبية بالسنة السادسة من الهجرة إلا ليتفرغ إلى نشر الإسلام في أماكن بعيدة وكان له ذلك.

وبسبب ذلك التفكير والتخطيط بدأت آثار الحصار تظهر على مشركي قريش بمكة، حيث اختلت أمورهم الاقتصادية ولم تكن مثل ما كانوا قبل الهجرة من ازدهار اقتصادي كبير، حيث ذكرهم الله في سورة قريش والنعمة والأمان الذي كانوا فيه في تلك الفترة، وتعقدت أمورهم بعد إسلام ثمامة بن أثال ملك اليمامة الذي أعلن بعد أدائه للعمرة أنه سيقطع الميرة عنهم وأنه سيوقف تصدير الحنطة والشعير عن مكة ولن يرسل لهم شيئًا إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.

فما كان من أهل مكة إلا أن كتبوا للنبي وقالوا له: إن عهدنا بك تصل الرحم وتحض على ذلك، وإن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا وأضرَّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث بما نحتاج إليه فافعل، فكتب -عليه الصلاة والسلام- إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم فأطلقها، ولم تمض سنتان وتحديدًا السنة الثامنة من الهجرة حتى تم فتح مكة وانتهاء الوثنية منها للأبد.

بهذا الفكر الاستراتيجي والتخطيط العسكري المتقن الذي خطط له الرسول -عليه الصلاة والسلام- تمكن من محاصرة قريش حصارًا اقتصاديًا وإضعافهم معنويًا مما أدى إلى تهاوي جبروتهم وكبريائهم واقتصادهم وقوتهم والرضوخ للأمر الواقع والدخول في الإسلام جميعهم بعد فتح مكة.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق