برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

التقنية تقتل الدهشة

لطالما كانت مخيّلة الإنسان أكبر مقدرة من حواسه، فمن خلال هذه المخيّلة التي تستطيع تجاوز قدراته الجسدية والحسية والعقلية المحدودة استطاع هذا الإنسان أن يجوب السماوات والأرض، استطاع خلق عوالم من البشر والحيوانات والأدوات والمظاهر التي لا تحتويها عوالمه، فقد كان خياله هو بساطه السحري الذي يذهب فيه إلى حيث يشاء.

كان نافذته التي يشرعها نحو العالم ليعيد تشكيله بالطريقة التي يرغبها هو شكلًا وروحًا ومحتوى، ومن خلال هذا الخيال الجامح صنع السحر والقصص والشعر والحكايات التي لا تنتهي، وحوّل عجزه النسبي وضعف قدراته الجسدية والحسيّة إلى دافع اكتشف من خلالها خياله، فجعل منه أداته المطواعة التي تجلب له العالم بالشكل الذي يرغبه وبالطريقة التي يرغبها وفي الوقت الذي يشاء.

مع تطوّر أدوات الإنسان واختراعه للكتابة ثم الطباعة اكتشف بشكل حسي من العالم جوانب أخرى لم يكن يعرفها سوى عن طريق الخيال الجمعي لموروث مجتمعه، فانكسر للمخيلة جانب منها، عرف الإنسان السيارة والطائرة فاكتشف العالم بنفسه، فانكسر لها جانب أكبر، عرف الإنسان التلفزيون ثم الكمبيوتر وبثها المباشر، فانكسرت أبواب عديدة للمخيلة وسقطت في معظمها، أصبح في عصر التقنية لا شيء أمام الإنسان ليتخيله، وبالتالي أصبح ما يعنيه هو الواقع وليس الخيال.

المحزن بالأمر أنه لم يعد يثق حتى بالواقع الذي يراه ويسمعه طالما التقنية قادرة على تزويره.

التقنية أحضرت العالم لنا بدلًا من أن نذهب إليه بخيالنا، أحضرته بكل واقعيته الجامدة والجافة والمحزنة والقذرة أحيانًا، ولم تعد تمنحنا فرصة بأن نمتطي نحوه خيالنا لنراه كما نرغبه أن يكون، جميلًا ساحرًا مثاليًا، لم تعد تمنحنا الفرصة لأن نخلق منه ما نحتاج ونترك ما لا نحتاج.

لقد كنّا نخلق عوالمنا المتخيلة للبلدان وللناس وللطبيعة، وعندما كنا نذهب إليها بعد مشقّة كانت خيالاتنا كفيلة بأن تنطبع بتصوراتها المسبقة في أذهاننا بما يمنحنا الدهشة الجميلة والرائعة على سذاجتها وبراءتها، لكننا لم نعد كذلك الآن، فالتقنية جعلتنا نعرف كل ما نريد معرفته بتجريدية جافة قتلت كل منابع التصورات المسبقة وما تصنعه من دهشة مبهجة.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق