برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

إنجازات سريعة وكوارث مريعة

من البديهي أن ارتكاب الأخطاء طبيعة بشرية ملازمة لكل الأعمال العظيمة التي نقوم بها في الحياة، وأي عمل منجز مهما كانت جودته وإتقانه لا يخلو من أخطاء البدايات التي تساعدنا على تلمس المسار الصحيح لما سنقوم به في الخطوات اللاحقة.

قد نضع في تصوراتنا حسابات كثيرة لأعمالنا المقبلة قبل الشروع في تنفيذها، وننسى أن الخطوات الأولى من المحتمل جدًا أن تغير في شكل ومضمون بعض تلك الحسابات التي وضعناها قبل البدء، لذلك نجد أحيانًا أن الاستمرار في تنفيذ الأعمال والمشروعات بذات النهج المرسوم في أذهاننا، دون مراعاة ما يطرأ من مستجدات غير متوقعة قد يقودنا إلى نتائج كارثية.

التغيير هنا ليس بالضرورة أن يؤدي إلى ذات النتائج التي نطمح إلى تحقيقها قبل أن تتشكل ملامح الفكرة وتختمر على أرض الواقع وليس في أذهاننا، وربما يكون التغيير في بعض الحالات نوعًا من أنواع التخلي عن الكثير من الحسابات مقابل بقاء هيكل الفكرة على قيد الحياة، تأسيًا بالمثل الشعبي الشهير «العوض ولا القطيعة»، وهذا ما نلاحظه في الكثير من أعمال ومشروعات الوزارات والهيئات في بلادنا.

لكن ماذا لو كان الخيار الأنسب هو إلغاء الفكرة برمتها؟ والإلغاء لا يعني أن الفكرة عديم الجدوى من كل النواحي، لكن قد يكلف تنفيذها الكثير من الجهد والمال رغم محدودية الفائدة لأنها قد تكون ذات طبيعة مؤقتة.

إن كثرة المشروعات وتسابق الوزارات والهيئات على تنفيذ المقترحات بعجالة واضحة للعيان، يفتح فضاء الأسئلة على مصراعيه ويثير في الأذهان حيرة واستغرابًا، خاصةً أنها تأتي في سياق تحقيق «رؤية 2030» والتي حولتها بعض الجهات الحكومية شماعة لأخطائها الكارثية بحجة مواكبة التطلعات، عبر سرعة الإنجاز الذي لم يتحقق بما يجب من دقة وإتقان.

وخير شاهد على صحة ما ذهبت إليه، هو حريق محطة قطار جدة الذي كلف خزينة الدولة ملايين الريالات ذهبت هباءً منثورًا، بسبب عدم فعالية نظام إطفاء الحرائق في المحطة.

وهنا يتضح لنا بصورة جلية أننا ركزنا على الشكل الخارجي أكثر من تركيزنا على الجوهر المتمثل بوجود نظام حماية قادر على تقليل الخسائر البشرية والمادية، ومن المؤكد أن الفكرة الرئيسية للمشروع لم تكن محصورة في التصميم الهندسي المبهر للمحطة على حساب أمن وسلامة الركاب والمرتادين لهذه المنشأة، ولا أعلم حقيقةً إذا كان للشكل الهندسي للمحطة علاقة بصعوبة وجود نظام إطفاء حرائق ذي كفاءة عالية أم لا؟ إلا أنه لا يمكن القبول بأي تبرير آخر طالما أن الأمور آلت إلى ما آلت إليه من انهيار كامل لسقف المحطة ودورها الثاني بعد احتراقه على مرأى ومسمع من القائمين عليها.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق