برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سبْر

المجتمع.. بين التقييد والفوضى

يقول البرّدوني «رحمه الله»:

يأتون يمضون كالأبواب ما دخلوا

في أي شيء ولا من غيره خرجوا

من ينظر للوراء قليلًا، لبضع سنين خلت، لن يصدق هذا الحراك الذي يعيشه المجتمع السعودي، وكلمة الحراك هنا محايدة، حيث تشتمل على ما يبعث الرضا وما هو دون ذلك، وسيندهش – حتمًا – من كان يعتقد بتشابه الناس وتماثل اهتماماتهم ورؤاهم، وسيجد من يريد القدح مجالًا واسعًا لركضه، ومن يريد الثناء كذلك.

فقد اكتشفنا أخيرًا أنّنا لسنا مجتمعًا مثاليًا، ولا خصوصية تميزنا عن غيرنا من مجتمعات الأرض، سوى ما توهمناه عن أنفسنا، لدينا الفضلاء، السفهاء، اللصوص والحمقى، لدينا من يبني الوطن ومن يسعى في خرابه، لدينا من الجمال فوق ما ادعينا، وفينا من القبح فوق ما نفينا.

كل ذلك في سياقٍ طبيعي لا يمكن من خلاله تقييم المجتمع أو اختزاله، إلاّ أنّ السؤال الواجب طرحه هو: هل تعاملت مؤسسات الدولة ونخب المجتمع الثقافية كما يجب مع هذا التحول من الانغلاق إلى الحياة الطبيعية؟ ومما يبهج أنّ الإجابة لن تكون بالنفي بشكلٍ صريح، وهذا نجاحٌ بحد ذاته.

لا شك أنّ الخطوات التي قامت بها مؤسسات الدولة مواكبة لـ«رؤية 2030»، كانت قفزات عظيمةً قياسًا إلى الظرف الزمني والاجتماعي، بدايةً بالتشريعات الجديدة التي كانت في مجملها منحًا للحقوق المسلوبة، أو تفعيلًا للحقوق المعطلة، أو تنظيمًا يحتاجه المجتمع في حراكه الجديد لتقليل الفوضى والآثار السلبية المتوقعة، إلاّ أنّ هذه التشريعات الجديدة تحتاج لتؤتي ثمارها إلى أمرين، أولهما تأهيل الجهات التنفيذية تأهيلًا يمكنها من مسايرة هذه التشريعات وتطبيقها، فكثيرٌ من الأجهزة التنفيذية لا تزال قابعةً في زمن البيروقراطية ومراسلات الحمام الزاجل، الأمر الآخر هو متابعة هذه التشريعات وقياس أثرها، عن طريق آلياتٍ دقيقةٍ توفر تغذيةً عكسيةً راجعة، تكشف مكامن الخلل وتعمل على علاجها، كما تعطي صانع القرار معلومات تمكنه من اتخاذ القرار، المناسب في الوقت المناسب.

أما ما يتصل بدور النخب الثقافية للمجتمع، فالحقيقة أنّ دورها لم يكن بالشكل المأمول، واللوم في ذلك لا يقع عليها وحدها، فقد تم استبدال مشاهير التفاهة في فضاء الإنترنت بالقمم الثقافية الحقيقية، للتسويق لهذا الحراك المجتمعي.

هذا الاستبدال الخاطئ الذي اشتركت فيه مؤسسات الدولة وجمهور العوام من الناس، أدى إلى تقوقع مجموعةٍ لا يستهان بها من أرباب الفكر والثقافة بمختلف أطيافهم، مما حرم المجتمع من خبراتٍ كانت ستعينه على ضبط حراكه ووزن إيقاعه، حيث تُرك أمر تقييم وتوجيه هذا الحراك للمراهقين والجهلة، ليستمروا في مناكفاتهم بين مادحٍ حد الغباء، وقادحٍ حد الحقد.

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق