برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أضواء

الصور النمطية وآثارها

الصورة الموضوعية لجماعة ما هي الانعكاس الحقيقي والموضوعي للخصائص والصفات المتميزة والمتفردة لتلك المجموعة بصورة شاملة ومتكاملة، وتقود إلى التعامل معها – أي المجموعة – بناء على معطيات تلك الصورة.

أما الصورة النمطية فهي عملية اختزال لوصف جماعة أو المنتسبين إليها لخصائصها الكلية العامة، وتقوم على التبسيط المخل للصورة العامة، مع المبالغة في بعض الجوانب، والتقليل من جوانب أخرى.

وبعيدًا عن دراسة أسباب وتاريخ نشوء وتشكل الصور النمطية حول جماعة ما، إلا أن الصراعات البينية عادة ما تكون أداة محفزة لاستحضار وإعادة تشكيل الصور النمطية لدى كل طرف عن الآخر، ومع مرور الزمن تتحول الصور النمطية هذه إلى قناعات وأحكام تبنى عليها سياسات ومواقف وتكون أساسًا في التعامل بين الأطراف المختلفة، مما ينتج عنها سوء في التقديرات وتسرع في المواقف واتخاذ القرارات، حيث تتدخل العواطف والاسترجاع السلبي للتاريخ بقوة.

وبالطبع هناك حالات من صور نمطية تتسم بالإيجابية حيال بعض المجتمعات، لكنها قليلة ومحدودة التأثير في العلاقة بين الجماعات، بل إن ذلك يحدث حالة من المفاضلة أحيانًا في الاختيار وإعجاب غير مستحق تجاه بعض الفئات.

إن ترسيخ الأفكار والصور النمطية في المجتمع يخدم عدة جهات ذات مصالح في إبقاء التوتر والنزاع من بينها الوسائل الإعلامية، والحكومات، وذوو المصلحة من بعض أصحاب رؤوس الأموال، حيث تلعب الصورة النمطية السلبية دورًا كبيرًا في تبرير الحرب وأعمال العنف، لأن الحروب تبدأ في عقول البشر قبل أن تطبق على أرض الواقع.

كما أن استخدام الصور النمطية يقدم تبريرات تبدو مشروعة لأي عمل عدائي أو تهميشي ضد فئة ما، حيث يتم استدعاء الصور المتناثرة تاريخيًا وإعادة تجميعها وتركيبها كي توفر الغطاء الشرعي اللازم لأي مواجهة عدوانية.

فالصورة النمطية التي ترسم شعوبًا ومجتمعات عاجزة عن إدارة ذاتها وثرواتها تقتضي التدخل لإنقاذها وتنميتها، والصورة النمطية التي تقدم مجتمعات ما على أنها تتسم بالعنف والتطرف واستخدام القوة فإنها – أي الصورة – تهيئ المجال أمام أي قوة خارجية لفرض وجودها للحد من انتشار العنف، والأمثلة في هذا المجال كثيرة ومتنوعة، وبإنتاج هذه الصور النمطية بوسائل متعددة ولفترات زمنية متواصلة، تتولد عن ذلك القناعة لتبرير إعلان الحروب والتدخل في شؤون الغير وتهميش بعض الفئات الاجتماعية، وما إلى ذلك من خروقات وأعمال عدوانية وانتهاكات حقوقية تأخذ صفة القبول والمشروعية.

وتستخدم الصورة النمطية العنصرية ضد الأقليات لترسيخ مكانة وموقعية الأكثرية، في مقابل التهميش والحط من مكانة الأقليات، فصورة الأمريكي من أصول إفريقية التي تتسم بالإجرام والعدوانية مثلا، والمهاجر المسلم لأوروبا التي تتسم الصورة النمطية عنه بالإرهاب والتخلف، تعطي المبررات الكافية لدى الأغلبية للقبول بانتهاك حقوق هذه الفئات تحت تبريرات مقبولة.

جعفر الشايب

كاتب وناشط حقوقي، حاصل على ماجستير اقتصاد وادارة اعمال من جامعة وسط تنسي بالولايات المتحدة الامريكية. المشرف على منتدى الثلاثاء الثقافي، ورئيس منتخب سابق للمجلس البلدي بمحافظة القطيف، وعضو مؤسس في العديد من الجمعيات الحقوقية والمدنية، نشرت له دراسات عديدة حول قضايا التنمية الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق