برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
صُوَّة

افهموهم قبل أن تقتلوهم!

كان «محمد» بِكْرَ والده، طالب الصف الرابع الابتدائي من المتفوقين دراسيـًا، لكنه يتصف بالعناد، والعدوانية، وسرعة الغضب، أحيانًا يضطر المعلم لإخراجه من الفصل – وهو ممنوع – ليتمكن من إنهاء درسه في فصل يبلغ عدد طلابه 37 طالبًا.

حتى وكيل القسم يذهب ثلاث أرباع يومه في حل مشاكل «محمد»، أما المرشد فقد استحدث ملفًا خاصًا لتعهداته، ومحاضر لقاءاته مع والده، مع كثرة شكاوى الطلاب، وبعض أولياء الأمور كان لزامًا أن تجتمع لجنة التوجيه والإرشاد بالمدرسة لمناقشة وضعه، بعد المناقشات اتفقنا على الاستعانة بأحد الزملاء من مدرسة أخرى حاصل على ماجستير في التربية، ودبلوم عال في الإرشاد.

حضر الزميل، شاهد ملف المرشد، قابل معلمي الطالب، ثم الوكيل، سمع من الجميع، بعدها جلس مع الطالب بحضور مرشدنا، وأخذ يسأله عن علاقته بوالديه، عن أسرته، ظروفه المعيشة، والاجتماعية، أسئلة مختص، بدأ الطالب بالحديث، أخرج ما في قلبه، خرج زميلنا، وطلب لقاء ولي الأمر، حددنا موعدًا، حضر الأب.

عُقد اجتماع مغلق مطول في غرفة المرشد، لم يحضره الطالب، بعد حوالي الساعتين دخل على المرشد والمختص، ليطلعوني على فحوى ونتيجة الاجتماع مع الأب، اختصرها المختص بأن المشكلة من الأب، استوضحت أكثر فاستطرد بأن الأب يتعامل مع ابنه كعربة قطار هو يقودها، وهنا المشكلة لا مساحة من الحرية، والاختيار للابن، حتى فيما يلبس، فالأب قد حدد أهداف ابنه، وخطط لها، ورسم له مسارًا، وخطًا مستقيمًا لا يحيد عنه أبدًا، بل واختار الوظيفة المستقبلية له، ويبالغ في خوفه عليه، لدرجة أنه عزله عن أقرانه.

زيادة على ذلك يعتقد – الأب – أن الابن لم يفهمه! ولم يفهم سبب حرصه عليه! وهنا تكمن الكارثة، حيث إن الأب لم يفهم احتياجات الابن، وميوله، ورغباته، بل أراد التعويض، نعم التعويض! أي أنه يعوض ما فاته في ابنه! وبالتأكيد دافعه الحرص، ورغبته أن يُخرج شخصًا ناجحًا، ولكنه النجاح الذي يريده هو.

ما لا يفهمه الأب أن الإفراط في الحرص والإحاطة الزائدة بالابن، وإلغاء رأيه، بحجة أنه صغير ولا يفهم ما يريد، قد تكون هي القاضية، «محمد» ذكي لكن والده حوله لآلة تنفذ فقط! طبيعة «محمد» العناد، سرعة الغضب، وتصرف الأب «زاد الطين بلة».

لابد أن نترك لأبنائنا مساحة من الحرية المضبوط بالتوجيه والنصح، فكلما زاد عمر الطفل زادت مساحة الحرية، وألا نفرض عليم ما لا يريدون إن كان معقولًا، كما يجب أن نفهم أبناءنا، ولا نطالبهم أن يفهمونا، فهذا يساعدنا على معرفة احتياجاتهم، ويعيننا على تربيتهم.

أما متى نطلبهم منهم أن يفهمونا، فهذا إذا بلغنا من الكبر عتيا، وكنا تحت رعايتهم.

شكرت لزميلنا تعاونه، استفدت أنا ومرشدنا من لقائنا معه، وكنت أتمنى أن يستوعب الأب الدرس، لكنه أيضا هو عنيد وسريع الغضب، فـ«محمد» تحسن فترة وجيزة ثم «عادت حليمة لعادتها القديمة» وأظن الأب عاد لسابق عهده وكما يقول أحبابنا الكويتيون «أبو طبيع ما ييوز عن طبعه».

أحمد العوفي

أحمد بن جزاء العوفي، بكالوريوس كلية الشريعة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عمل في عدد من الصحف المحلية، كاتب سابق في صحيفة المدينة، كما نُشرت له عدة مقالات في بعض الصحف الإلكترونية، مهتم بالتربية، والشأن الاجتماعي، ناشر لثقافة التطوع، عضو إعلاميو المنطقة الشرقية، مارس الاعداد التلفزيوني من خلال القناة الثقافية السعودية وكذلك التقديم، صدر له كتاب خربشات فاضي.

‫2 تعليقات

  1. دائماً ماتبهرنا استاذ احمد بابداعك واختيارك للمواضيع الهامة والمفيدة والجديدة ، فشكرا لك استاذي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق