برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

شارع العصارات

دأبتُ أن أختصرَ الطريق إلى عملي، فلطالما كان طريق الملك فهد الرئيسي محشورًا بالسيارات منذ الصباح الباكر، فكنت أتحاشى عنصر المفاجأة وأتخذ الطريق الجانبي من وسط الرياض والذي يربط حي الشميسي المشهور بجسوره الحديدية العتيقة بشارع الناصرية، مرورًا بشارع العصارات، وكأن شارع الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود يحكي مجد الزمن الجميل بمعالمه التي حَفَرَتْ على امتداده ملامح أكثر من خمسين عامًا مضت.

فهذا مقر ناديي الهلال والنصر وذكرى أروقتهما وما نقشته في ذاكرة مرتاديهما من أنشطة وترفيه: ما بين سباحة وكرة قدم، وكرة سلة وطائرة، حتى إذا جاء موعد السينما تسابق الشباب إلى صالاتها بشغف منقطع النظير لمشاهدة الفيلم المعروض!.

نعم مازالت مدارس التضامن تتقاسم ثبات بعض القصور الكبيرة والمباني العالية بشموخ على اليسار، وهذا «جامع بن عدوان» وهيئة الهلال الأحمر السعودي ومقر هيئة الحياة الفطرية، كل هذه الجهات في الشارع العريق تشهد على حيويته ونبضه وقد زاده نبضًا وحيوية كونه محل التقاء الشباب وتنزههم وتناولهم العصائر الطازجة فيه والتي سمي بها الشارع.

بالطبع لم يكن السير متيسرًا جدًا ولكن ازدحام الشارع أخف من غيره للدرجة التي يسمح لي فيها بأن أتأمل تفاصيل المباني والسيارات المارة، وكان مشي السيارة بهدوء يسمح لي أيضًا أن أقضي دقائق انتظاري في القراءة الأنطولوجية على كل ما تقع عليه عيني: أسراب الحمام المحلقة بكثافة فوق أسطح عمائرها الهرمة والتي تحكي جدرانها المتهالكة ونوافذها المتكسرة ما شهدته من أفراح وأتراح سكانها، وكان يطغى على كل هذه المعالم منظر رجل ذي ثياب رثة يتكئ على جدار الدكان الذي يقبع في الركن الغربي من شارع بن شلهوب بجانب محل بيع الفول.

كان صاحب الدكان يضع جرائده على حامل بجانبها، وكان ذلك الرجل يقف على رجله اليمنى، عاكفًا رجله اليسرى، ومتكئًا على الجدار بكتفه الأيمن، ممسكًا الجريدة حانيًا عليها بما يحقق له الانعزال معها في ضجيج عوالمها عن ضجيج الشارع القريب بانهماك غريب، وكأنه يلتهم حروفها التهامًا.

كان ذاك الرجل يفاجئني كل يوم بوضعية قرائية تنم عن شغفه بالقراءة، فتارة «يتقرفص» كأنه على عجل وهو في الحقيقة لا يفك أسر الجريدة إلا بعد أن يصرخ حبرها في وجهه دعني، وتارة يجلس على حافة الرصيف يشاطره الجلوس.

«كاسة شاي بلورية» يبدو أنها هي أيضًا من الزمن الجميل، وأظل أحدق بها طويلًا طويلًا، حتى يأخذني الطريق وفي ذهني كثير من العلامات المعقوفة، والتي سأضعها بين يدي هيئة الترفيه الموقرة:

ألن تطال يد الترفيه شارع العصارات كما طالت جيرانه مثل منطقة الحكم وغيرها؟ ألا يستحق ذلك الشارع العريق أن يُطَوَّرَ وتُبَثَّ فيه روح الترفيه والثقافة بما يحفظ إرساء هويته وأصالته من المسح أو التلف؟.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق