برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

الفساد والمنكر في الفكر «الصحوي»

في وقت ما يسمى بـ«الصحوة» انتكست الكثير من المفاهيم، ووصلنا إلى مراحلَ متردية في فهم تاريخنا العربي والإسلامي، مما كان له الأثر على تشنج الناس واختلاف نفسياتهم الفكرية، فلقد تمَّ تصوير التاريخ الإسلامي تصويرًا كاذبًا، وتمَّ تصوير الدين بأنه قد انتشرَ بالسيف والإكراه، وتمَّ الخلط بين المنكر الذي يُحتسب عليه والمنكر الذي لا يحتسبُ عليه، وتمَّ في ذلك الوقت استحداث مصطلح الاختلاط، واستعماله استعمالًا منافيًا للفطرة، وأكبر كارثة وقعت في وقت «الصحوة» عدم التفريق في الاحتساب بين كبائر الإثم وصغائرها، وعدم التفريق كذلك بين المسائل الفقهية المختلف فيها والمجمع عليها.

التصوير الكاذب للتاريخ والفقه الإسلامي

لقد كذبَ «الصحويون» على المجتمعات المسلمة -عمدًا أو جهلًا- فصوروا تاريخنا بأنه قد خلا من مظاهر الفسق، بينما الواقع مخالفٌ لذلك، فمظاهر الفسق كانت موجودةً في حياة المسلمين، ولم يحرِّض الفقهاءُ الناسَ على حكامهم ودولهم بسبب تلك المظاهر، بل غاية ما كانوا يصنعونه أنهم يبينون الحكم الشرعي في ذلك دون تأليب على المجتمع والدولة، سئل أحمد بن حنبل عن دخول الحمامات التي يكون فيها كشفٌ للعورات، فقال: «إن علمتَ أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله، وإلا فلا تدخل»، فلم يحرِّض أو يتهم، لأنه يعلم أن مثل تلك المنكرات لا يمكن إزالتها بالكلية، على عكس ما يفعله «الصحويون» اليوم من استخدامٍ لتلك المظاهر لأجل التأليب على الدولة.

سوء فهم فقه الاحتساب على المنكر

في الآية الكريمة {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وفي سورة يونس {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، هذا في التخيير بين الإيمان والكفر، فما بال قومنا يريدون إجبار الناس على رأيٍ فقهيٍ مختلَفٍ فيه، أو على منع مظاهر بعض الصغائر التي يصعب التحرز منها، علمًا أن الله –سبحانه- قد أثنى على المؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم إلا اللمم وهي صغائر الإثم، وفي وقت «الصحوة» تمَّ الخلط بين المنكر الذي يحتسب عليه مع المنكر الذي لا يصح الاحتساب عليه، فالاحتساب على المنكر يستلزم شروطًا فلا احتسابَ على صغائر الإثم، لأنها مما يصعب التحرز منه، ولا احتساب كذلك على المنكر المختلَف فيه.

استحداث مصطلح الاختلاط

تمَّ ترسيخ هذا المصطلح المستحدَث في نفوس الناس كمحذورٍ شرعيٍ عظيم، رغم عدم وجوده في التراث الإسلامي، وهو مختلفٌ تمامًا عن مصطلح الخلوة، ولم يعْقِد له الفقهاءُ فصلًا أو بابًا مستقلًا، وهو موجودٌ –كممارسة- في عهد النبوة والخلفاء الراشدين، وكانت النساءُ تشاركُ الرجالَ في الحياة العامة، وعائشة -رضي الله عنها- لها من التلاميذ الكثير، وقد شاركت في بعض الغزوات، وسابقت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في مكانٍ عام، ومن يقرأُ كتاب «تهذيب الكمال» للمزي، فسيجد فيه رواة كُثُر قد سمعوا عن «عائشة» الكثيرَ من المرويات.

سوء فهم معنى الفساد والاهتمام بالصغائر دون الكبائر

لا يهتم «الصحويون» بما تقوم به الدولة من محاربةٍ للفساد الحقيقي بأنواعه، عبر مؤسساتها المختلفة من هيئة مكافحة الفساد والمخدرات وديوان المظالم والمحاكم بأنواعها، ناهيك عن نشر المعروف والأمر به عبر التعليم ورعاية المساجد والضمان الاجتماعي وحفظ الأمن، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر، لكنهم في الوقت نفسه يهتمون ببعض الممارسات التي لا تكاد تخرج عن دائرة صغائر الإثم، والتي لا يسلمُ منها أحد، ودمتم سالمين.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق