برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

الإلزام بغلق المحلات وقت الصلاة «بدعة»

مقالتي هذه ليست عن فضل الصلاة جماعة، إذ إنه من المعلوم بأنها تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، والكلام هنا عن غلق المحلات وقت صلاة الجماعة، وهذا أمرٌ لم يكن في أساس التشريع، ولم يقل أحد بأن النبي أو الخلفاء الراشدين فعلوه.

هذا، كما أن «فرض» إغلاق المحلات وقت الصلاة بحجة وجوب الصلاة جماعة بدعة شرعية، حيث إنه أمر لم يرد به نص قرآني، ولا عمل بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا الخلفاء الراشدون من بعده، ووفقًا لذلك هو «بدعة» لم ترد في الشرع.

أما بخصوص التساؤل هل هي بدعة حسنة أو سيئة؟ فقد تكون بدعة حسنة إن لم يكن في ذلك ضرر أو مشقة على أحد.

ومنشأ «السوء» فيها: هو ادعاء وجوبها وفرضها، كما لو قلنا إن صلاة التراويح في رمضان واجبة للمصلحة ويجب إغلاق المحلات وقتها، فهذه كتلك في السوء، من حيث إيجاب ما لم يوجبه الشرع.

أما الاحتجاج بالآية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» فواضح أن القصد فيها صلاة الجمعة، لا سائر الصلوات اليومية.

وفيما يخص الاحتجاج، بأدلة من السنة ومنها: حديث هم النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحريق البيوت على المتخلفين «صحيح البخاري»، وليس فيه ما يدل على الوجوب للاحتمالات في معناه، والأظهر في معناه من تلك الاحتمالات إنما هو للزجر والمبالغة، سدًا لذريعة التخلف عنها بالجملة، وكي يفشو في الناس مشابهة أهل النفاق في ذلك، ويؤيد هذا الاستدلال أنه ورد في بعض رواياته قوله عليه السلام «لا يشهدون صلاة العشاء»، فتخصيص العشاء من بقية الصلوات دال على أن المقصود به ذم أهل النفاق الذين يتخلفون في الصلوات التي لا يعرف من شهدها ومن لم يشهدها رياء ونفاقًا وليس المقصود ذات الجماعة، وإلا ما خص العشاء بالذكر فيه ولقال «لا يشهدون الجماعة».

ومن الأدلة أيضًا حديث الأعمى «أتسمع النداء قال نعم قال فأجب» وهذا الحديث ضعيف وفي متنه نكارة، وكذلك حديث «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» والمحفوظ أنه موقوف والحجة في قول الله وقول رسوله «عليه الصلاة والسلام».

ملحوظة: الحكم على تخريج الأحاديث السابقة تبعًا لتخريج الشيخ أحمد قاسم الغامدي لها في رسالته عن عدم وجوب صلاة الجماعة.

كما أن في هذا الغلق معارضة -في بعض الحالات- لمقاصد التشريع، فمقاصد التشريع تجتمع في ثلاث: جلب منفعة، أو دفع مضرة، أو رفع حرج، والقرآن والسنة الصحيحة الصريحة دومًا ينبهان على هذه المقاصد الثلاث.

وأشهرها: قوله تعالى «ما جعل عليكم في الدين من حرج» فإغلاق المحلات لمدد متطاولة قد تصل للنصف ساعة وأكثر: قد تسبب حرجًا لكثير من الناس، في صور مختلفة، سواء لأصحاب المحلات أو للمرتادين أو العاملين، والقاعدة الفقهية على أن «الضرر يزال»، وعلى حسبها فإن المشقة الناتجة عن تعطيل مصالح الناس بسبب غلق المحلات وقت الصلاة: تجلب التيسير بإجازة فتحها، أو على الأقل عدم فرض الإغلاق، وجعل ذلك تابعًا لرغبة أصحاب المحلات، وتبعًا لحاجة الناس ونوعية نشاط المحل.

كما أن في إغلاق المحلات وقت الصلاة تضييع مصالح الناس، بغير داعٍ، حيث إن أوقات الصلوات على السعة، لذا كان هناك وقت لدخول الصلاة، متسع حتى وقت خروجها، والمسلم في سعة من دينه أن يؤديها بين الوقتين، بل إن بعض الصلوات يُسن تأخيرها كصلاة العشاء الآخرة، وهناك سنة «الإبراد في الصلاة» أي تأخير صلاة الظهر حتى قبل صلاة العصر.

فهي سنن تم تعطيل العمل بها بسبب فرض إغلاق المحلات وإجبار الناس على خلافها «أي خلاف السنن».

فهنا حصل: تضييع لمصالح الناس، وتضييع للسنن، لسبب شنيع ألا هو الإلزام المذموم بتقليد مذهب بعينه.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

‫2 تعليقات

  1. يقول مواطن سعودي طموح ومتفائل، أحب سيدي سلمان وولي عهده محمد بن سلمان:

    السلام عليكم،
    أشكرك أستاذة همسة على هذا الموضوع الراقي والمرتب والمهم جداً، حيث وصلنا بنا الحال مرحلة سؤم وننتظر قرار يلغي هذه العادة القميئة.
    أود أن أقول أن صحيفتكم “آراء سعودية” وهي أول مرة أطّلع عليها هي ذات طابع وتصميم متميز للحقيقة وأعجبتني ميزة القراءة التلقائية للنص في شريط صوتي وليس آلي كما هو في مواقع أخرى.
    تم إضافة إعجاب على مقالك. إستمري وبالتوفيق.

  2. نشكر لك جهودك وجهود فضيلة الشيخ احمد قاسم الغامدي في تجديد الخطاب الديني وتصحيح المفاهيم التي فرضت علينا بدون دليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق